تحليل إخباري: مع تنامي العنف ضد المرأة في استهداف النساء عامة والحقوقيات خاصة وبشرى بلحاج حميدة على وجه الخصوص

من المفارقات العجيبة التي يعيشها مجتمعنا العلاقة الطردية بين تنامي العنف المسلط على المرأة، -والاغتصاب أبشع وأشنع

أنواع هذا العنف- واستهداف النساء عامة في ذات الوقت بالايحاء وأحيانا بالتصريح بأنهن هنّ المتسببات في هذا العنف لأنهن تثرن غرائز الذكر «المسكين» إما بلباسهن أو بسلوكهن أو حتى بمجرد وجودهن في الفضاء العام !.
وفي الحقيقة لا غرابة في هذه العلاقة الطردية لأنها تعبّر عن ثقافة ذكورية دفينة قوامها أن المرأة عورة كلها وأنها الامتداد الطبيعي للغواية الابليسية وأن مجرّد وجودها في الفضاء العام هو دعوة صريحة للتحرش بها وأن النساء كلّهن يتمنعن وهنّ الراغبات وهكذا تتحول الضحية إلى مذنبة والمجرم إلى ذكر مسكين ذنبه الوحيد أنه لم يصمد أمام الإغراء والغواية.
والنتيجة أننا نجد عددا هاما من الذين ينددون بجرائم العنف المسلطة على المرأة إنّما ينددون أساسا بالمرأة وبحريتها وبحقها في الفضاء العام إذ عادة ما يلبسون تنديدهم بالعنف بدعاوى أخلاقوية تشير إلى «مسؤولية» المرأة في العنف المسلط عليها ..
وهنا نفهم لمَ تستهدف هذه الأصوات (الرجالية والنسائية أيضا ) الحقوقيات في كل قضية عنف وخاصة الاغتصاب والقتل باعتبارهن المسؤولات الأوائل عن هذه الغواية الأصلية مادمن تنظرن للمساواة ولحقوق النساء عامة في الفضائين العام والخاص .
فالإشكال الأساسي في العقل الذكوري الزواحفي لا يكمن في ظاهرة العنف ولا في تسلطها على النساء بل في خرق القواعد السرمدية للحياء الانثوي والقاضي بانتفاء وجود المرأة في الفضاء العام مطلقا إلا للضرورة القصوى وبتحوّطات في اللباس والسلوك بما يتناسب مع نفي وجودها أو التقليص منه الى الاقصى ويتواصل هذا التحول في المعنى الذي يعمد اليه عقل الذكر المهيمن إلى اعتبار أن سبب الداء في هذا العنف المتفشي في المجتمع إنما هو «إيديولوجيا حقوق الإنسان» ولاسيما في كل الجوانب المتعلقة بالمساواة بين الجنسين والحريات الفردية وأساسا حريتي الجسد والمعتقد، وهكذا تصبح كل الحقوقيات والنسويات هدفا مستباحا لهذا العقل الذكوري، ومادام هذا العقل المتحسر على فقدان هيمنته المطلقة على حضور المرأة في الفضاء العام يريد الثأر لنفسه فتجده يصبّ جامّ غضبه وعنفه على من يعتبرها الممثلة الأبرز لهذه الحرية المزعجة ولهذه المساواة المرفوضة ونقصد هنا الأستاذة بشرى بلحاج حميدة إحدى أبرز المناضلات الحقوقيات والنسويات في بلادنا ورئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة والتي تألبت ضدّها وضدّ تقريرها كل القوى الرجعية والمحافظة في البلاد، فتم استهداف الأستاذة بلحاج حميدة بمناسبة وغير مناسبة عندما تتكلم وتبدي رأيا ما وعندما تصمت أيضا، فصناعة العدو هي إحدى التقنيات المعروفة عند أصحاب كل التيارات التي لا ترضى بحقوق كاملة ومتساوية لكل المواطنات والمواطنين .
هل ينبغي ان نذكر بان العنف المسلط على النساء هو الآن مجرّم قانونا، ولكن هذا العنف لا يتعلق فقط بأعمال إجرامية معزولة بل هو يتغذى ايضا – ولو جزئيا – من العقل الزواحفي للذكر المهيمن ومن كل من يريد التخفيف منه بتحويل الضحية الى مذنبة والجاني إلى «مسكين» وقع في شراك الغواية الابليسية ..
لا وجود لمجتمع يخلو من جميع أصناف العنف ولكن الخطر أن يجد العنف من يبرر له أو يعزوه إلى غير مرتكبيه .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا