تحليل إخباري: في نصّ منسوب لراشد الغنوشي يرد فيه على رسالة المائة «الزعيم» و«الاستثناء» !

تؤكد مصادر متضافرة أن رئيس حركة النهضة عقّب على رسالة المائة الذين يطالبونه بإعلان عدم ترشحه لعهدة ثالثة على رأس حركة النهضة

احتراما لنظامها الداخلي (انظر المغرب ليوم الخميس 17 سبتمبر الحالي) وهذه الرسالة ، التي لا تحمل إمضاءه، تم تداولها بكثافة في الأوساط النهضوية وتم تقبلها كرسالة رسمية من رئيس الحركة في الرد على من يريدون إخراجه من كرسي الرئاسة على نمط جنرالات الانقلابات العسكرية ..
لسنا متأكدين إذن من دقة نسبة هذه الرسالة إلى راشد الغنوشي شخصيا ويمكننا القول – بكل حذر – أننا إزاء نص قد يكون الغنوشي قد كتب أجزاء منه ، تلك التي جاءت بصيغة المفرد والتي يتحدث فيها عن «الوفد» الذي أدى إليه زيارة خالها شخصية فوجدهم يسلمون أليه رسالة يدعونه فيها إلى إعلان عدم ترشحه وقد استغرب واستنكر هذا الصنيع الذي شبهه بالانقلابات العسكرية ..
ولكن هنالك فقرات أخرى تتحدث عن الغنوشي تقريبا بضمير الغائب وتصفه بالزعيم والقائد الاستثنائي والذي لا تجرى عليه قواعد الرؤساء العاديين ..ونخال أن هذه الفقرات من البطانة المقربة ويبدو أنها أحرزت على ثقة «الشيخ» فتم إدماجها في نصه الأصلي ..
الواضح على كل حال أننا أمام نص منسوب لراشد الغنوشي من جهات مقربة له وانه يُتداول بكثافة في الأوساط الاسلاموية على هذا الأساس وأن هذا النص حتى وإن لم يكن كله من راشد الغنوشي نفسه إلا انه يحظى بموافقته وإلا لما راج بهذه الطريقة وبهذا الإيحاء..
ما يهمنا في هذا كله هو جملة الأوصاف والنعوت التي خلعت على راشد الغنوشي ،فهو «الزعيم» وليس الرئيس وهو «الاستثناء» وليس القاعدة فالزعماء – وهو منهم – جلودهم «خشنة» و»يتجددون فيكونون قوة دافعة وتعبئة لشعوبهم وراء أحزابهم « فلماذا يتم تغيير هذه القيادات الفذة» وهي في قمّة عطائها واشعاعها داخل البلاد وخارجها ؟ أمثال هذه الزعامات (...) لا يجود الزمان بمثلها إلا قليلا،فتتمسك بهم أحزابهم وشعوبهم ولا تحصي عليهم أنفاسهم وتنتظر انقطاعها وإنما تخشى فقدهم وتتحسر على غروب شموسهم».
هذا الكلام كتبه إمّا راشد الغنوشي عن نفسه أو كتبه بعض المتزلفين المقربين منه وتمت إجازته كما يقول القدامى..فنحن إذن أمام زعيم استثنائي لا تنطبق عليه القواعد السياسية والتنظيمية العادية ، زعيم قلّ أن يجود الزمان بمثله وما على النهضويين خاصة والتونسيين عامة إلا التمسك به ومفاخرة الأمم والشعوب بمثله لا السعي إلى إخراجه ولو جزئيا من قيادة حركة النهضة وزعامتها !؟
وكما تلاحظون هنا فنحن لسنا في القاموس الديني التقليدي للحركات الاسلاموية بل في القاموس السياسي الذي ساد في جزء من بلاد الدنيا في القرن العشرين والمتعلق بالزعماء الخارقين للعادة المتجددين على الدوام والذين بزوالهم قد تنهار الأمم والشعوب والأحزاب وحتى الجدران ..
ويسعى كاتب (أو كاتبو) النص إلى التمييز بين ما يصلح للدولة وما يصلح للحزب،فالتداول هو أساس الديمقراطية في الدولة أما المحافظة على الزعماء الأفذاذ فهو الهدف الأسمى داخل الحزب..
ولا يشير هذا النص ولو لمرة واحدة إلى أن النظام الداخلي الذي أقرته حركة النهضة في مؤتمرها الأخير هو الذي يحدد رئاسة الحركة لعهدتين متتاليتين فقط لا غير ..وكأن قواعد العيش المشترك النهضوي التي حددها المؤتمر العاشر لا تلزم إلا من يؤمن بها ولا تنطبق بحال من الأحوال على الزعيم المؤسس «الاستثنائي» .
إن هذه المغالاة المضحكة في شخص الغنوشي لا تتفتق عنها إلا قريحة المتملقين من أصحاب البطانة العائلية والسياسية والذين يرون أن وجدودهم ومصالحهم ونفوذهم قد تتلاشى مع مغادرة الغنوشي لموقع القرار الاساسي داخل التنظيم .
تلك هي القضية الأم لهؤلاء أصحاب المصالح والمطامح وهم يعملون جاهدين لإقناع العدد الأكبر من المؤتمرين القادمين بأن مغادرة الغنوشي الفعلية لرئاسة الحركة قد تهدد وحدتها الداخلية وتضعف الموقف التفاوضي للحركة الإسلامية مع شركائها وخصومها على حد سواء .
فعلا بدأت حركة النهضة تتونس ..ولكن بأسوإ ما في التونسة من تجارب ومآسي وانتهازية..بعد ثلاثة أشهر سنعرف هل ستبدأ حركة النهضة في شق طريقها الصعب نحو حزب مؤسساتي فعلا لا قولا أم أن البطانة ستضع يدها نهائيا على التنظيم لتستعمله كعنصر مقايضة لمواقع ومصالح في البلاد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا