خاص: نوايا التصويت في الانتخابات التشريعية والرئاسية

قراءة وتحليل زياد كريشان

نوايا التصويت في الانتخابات التشريعية والرئاسية لشهر جويلية 2020 وفق الدراسة التي قامت بها مؤسسة سيغما كونساي بالتعاون مع جريدة «المغرب»

تأتي بالجديد المثير: تصدر الحزب الدستوري ولأول مرة المشهد التشريعي بتقدم واضح على حركة النهضة : %29.0 مقابل %24.1، وهذا الفارق (حوالي خمس نقاط) يتجاوز بوضوح هامش الخطإ مما يجعلنا شبه متأكدين انه لو حصلت انتخابات تشريعية غدا لآلت الغلبة من حيث عدد الأصوات إلى الدستوري الحر أما توزيع المقاعد – لو حافظنا على نفس النظام الانتخابي – فمسألة أكثرا تعقيدا ..

في ما يتعلق بنوايا التصويت في الرئاسية يواصل قيس سعيد التحليق في الصدارة وهو يفوز بها نظريا منذ الدور الأول ، وفي المقابل تصعد عبير موسي إلى المرتبة الثانية بـ%10 من نوايا التصويت وهي أفضل نتيجة لها منذ الانتخابات العامة في خريف 2019 .

المشهد السياسي بصدد التغير بصفة واضحة من سبر آراء إلى آخر فنحن أمام ثنائية قطبية حادة لم تشهدها البلاد من قبل بين حزبين متنافرين بالكلية : الدستوري الحرّ من جهة والنهضة من جهة ثانية، تباعد يذكرنا ،نسبيا، بما كان حاصلا بين النهضة والنداء خلال السنة الأولى من حياة الحزب الذي أسسه المغفور له الباجي قائد السبسي (16 جوان 2012) ولكن راديكالية هذا التنافس أوضح وأعمق اليوم بكثير مما كان عليه الأمر قبل انتخابات 2014، والعنصر الثاني هو الصعود المستمر لحزب عبير موسي والذي يقترب بشكل لافت من ثلث نوايا التصويت ،ويبدو أن هذا التقدم مدعو لمزيد التدعيم خلال الفترة القريبة القادمة رغم بعض الثغرات في تواجد هذا الحزب جهويا وجيليا واجتماعيا ..
خلال أربعين يوما (من آخر سبر آراء نوايا التصويت إلى هذه الدفعة الحالية) ربح الدستوري الحر سبع نقاط كاملة (من %22.2 إلى %29.0) وهذا ما سمح له بتجاوز حركة النهضة التي راوحت في نفس المكان تقريبا بـ%24.1 (%24.2 في سبر آراء جوان 2020) كما أن قلب تونس ، صاحب المرتبة الثالثة لم يتأخر كثيرا (%11 مقابل %12.1) ولكنه أصبح مبتعدا بصفة واضحة على صراع الطليعة وقد خسر بصفة نهائية (؟) معركته مع الدستوري الحر في تمثيل القوة الأولى المقابلة للحركة الإسلامية .

وفي الأثناء يواصل التيار الديمقراطي تراجعه النسبي لينزل إلى %7 فقط ملاحقا عن قرب من قبل ائتلاف الكرامة بـ%6.7.
والطريف هنا هو «العودة» النسبية لنداء تونس بـ%3.7 في حين تكون بقية الأحزاب (الفعلية أو الافتراضية) كلها تحت عتبة %3 .

قبل مزيد التعمق في دلالات أرقام نوايا التصويت هذه نقول أن أكثر من %60 من التونسيين (%61.3) لا يعلنون اليوم عن نوايا تصويت محددة (مقابل %64.5 في جوان) وهذا يعني أن أشياء كثيرة بإمكانها أن تتغير ولكن نحن لا نحتسب إلا نوايا التصريح المعلن عنها حتى تكون النسب التي إمامنا متلائمة مع طريقة الاحتساب في انتخابات فعلية بما يسمح لنا برسم التطورات والمنعرجات لمختلف نوايا التصويت على امتداد هذه الأشهر الأخيرة ..

• نقاط قوة وضعف الانتشار الانتخابي للدستوري الحر
• على المستوى الجهوي تكمن نقطة القوة الانتخابية للحزب الدستوري الحر في منطقة الوسط الشرقي (سوسة والمنستير والمهدية) حيث يكون تقدمه هنا كاسحا بـ%45.3 ، كما يحقق حزب عبير موسي نتائج ممتازة في الشمال الشرقي (بنزرت ونابل وزغوان) بـ%37.2 وفي تونس الكبرى أيضا (تونس وأريانة وبن عروس ومنوبة) بـ%32.8
في هذه الجهات الثلاث لا وجود – اليوم لمنافس جدي للدستوري الحر .

ويسجل حزب عبير موسي تقدما ملحوظا في ولايات الشمال الغربي (باحة وجندوبة والكاف وسليانة ) بـ%25.6 وكذلك بالوسط الغربي (سيدي بوزيد والقيروان والقصرين ) بـ%23.4 ولكن في هاتين الجهتين تتقدم عليه حركة النهضة إذ تسجل تباعا %33.4 و%25.4 .
انطلاقا من ولاية صفاقس تتراجع نوايا التصويت لحزب عبير موسي إذ لا يسجل في صفاقس إلا %11.4، وهنا يأتي في المرتبة الثالثة بعد حركة النهضة (%23.1) وائتلاف الكرامة (%15.4) و%11.1 في الجنوب الشرقي (قابس ومدنين وتطاوين) أين يأتي كذلك في المرتبة الثالثة بعد النهضة بـ%38.9 والتيار الديمقراطي بـ%16.8 وأخيرا يأتي الدستوري الحر في المرتبة الثانية في ولايات الجنوب الغربي (قفصة وتوزر وقبلي) بـ%15.6 من نوايا التصويت بعد حركة النهضة بـ%28.0
فرغم التقدم الواضح للدستوري الحر على مستوى نوايا التصويت وطنيا على حركة النهضة إلا انه لا يفوز على الحركة الإسلامية إلا في جهات ثلاث (الشمال الشرقي والوسط الشرقي وتونس الكبرى ) ويتأخر عنها بصفة طفيفة في الشمال الغربي والوسط الغربي ويتراجع كثيرا في صفاقس وولايات الجنوب الستة شرقيها وغربيها وهذا يعني أننا لو حافظنا على نفس نظام الاقتراع فقد لا يحول الدستوري الحر انتصاره الواضح في عدد الأصوات إلى انتصار مماثل في عدد المقاعد.

• جندريا نوايا التصويت للدستوري الحر مازالت رجالية إلى حد ما : %31.3 عند الرجال مقابل %25.8 عند النساء وللمقارنة فخصمه النهضوي رجالي بوضوح اكبر :%29.7 عند الرجال مقابل %15.8 عند النساء فقط.

• الدستوري الحر يهيمن بوضوح في الطبقة المرفهة بـ%46.2 وبدرجة قوية كذلك عند الطبقة الوسطى العليا (إطارات عليا ومهن حرة ...) بـ%32.8 وهنا لا وجود لمنافس جدّي له أما في الطبقة الوسطى السفلى (صغار الموظفين والحرفين...) فيتراجع إلى %16.6 مقابل الضعف تقريبا عند الحركة الإسلامية (%32.8) كما لا يحقق سوى %24 في الطبقات الشعبية مقابل %29.2 لحركة النهضة.

• جيليا التصويت للدستوري الحر يتطور طردا مع التقدم في السنة من %20.6 عند الشباب (18 -25 سنة) إلى %46.2 عند من تجاوز الستين ، والملاحظ هنا انه يتقدم على كل منافسيه في مختلف الشرائح العمرية .

• معرفيا يحقق الدستوري الحر أفضل نتائجه عند أصحاب التعليم العالي وأسوأها عند الأميين وأصحاب مستوى التعليم الابتدائي في المقابل يصوت من لم يذهب إلى المدرسة أساسا لقلب تونس ولحركة النهضة .

في المحصلة نحن أمام قاعدة انتخابية تشبه،جزئيا، ما كان سائدا في نداء تونس زمن قوته : تصويت كاسح في الشمال والمناطق الساحلية وحضور ضعيف في الجنوب ويكمن الفارق بين النداء والدستوري الحر جهويا في الشمال الغربي وفي صفاقس حيث كان حزب الباجي قائد السبسي يحقق نتائج باهرة ، ولعلنا هنا أمام ظاهرة انقسام جزئي للقاعدة الانتخابية التاريخية للنداء إذ افتك قلب تونس جزءا منها ، أي لو جمعنا ما حصل عليه الدستوري الحر مع قلب تونس لوجدنا تقريبا التوزيع السوسيولوجي للنداء التاريخي .

يمكن أن نقول ان الحزب الدستوري الحر قد نجح في ظرف قصير في الاستحواذ على غالبية القاعدة الانتخابية للنداء التاريخي والتي تمثل في الحقيقة القاعدة التاريخية للحزب الدستوري في صيغتيه البورقيبية والتجمعية ونحن هنا أمام فوارق متوارثة وتموقع تقليدي للعائلة الدستورية من جهة وللمناطق التي يغلب عليها التأثير الاسلاموي العروبي من جهة أخرى وهذا ما يعطي لهذا الاستقطاب الثنائي قوته السوسيولوجية وحدود التوسع لكلا الطرفين من جهة الأخرى .

وتبقى الملاحظة الأساسية أمام هذا المشهد الجديد والقديم كذلك الى حد ما في عدم قدرة حزب ثالث على منافسة جدية للقطبين الكبيرين ولعلنا سنتجه الى استقطاب اكبر مع اقترابنا من المواعيد الانتخابية الفعلية سواء أانعقدت في مواعيدها الطبيعية (2024) او كانت سابقة لأوانها (؟) وذلك باشتغال عنصر التصويت المفيد والذي لن يفيد في الأغلب الأعم سوى الدستوري الحر من جهة وحركة النهضة من جهة اخرى ، والسؤال هو هل مازال الوقت الانتخابي يسمح ببروز قطب ثالث جدي أم إن آليات الاستقطاب الثنائي ستنتصر على كل نوايا الخط «الثالث «؟

• نوايا التصويت في الرئاسية : قيس سعيد منذ الدور الأول وصعود لافت لعبير موسي
لا وجود لعناصر جديدة تذكر في نوايا التصويت في الانتخابات الرئاسية والتي تبقى الأقرب دوما إلى قلوب وعقول الناس حيث لم يعبر إلا %36.3 فقط من المستجوبين عن أنهم لم يحزموا أمرهم بعد على عكس ما هو حاصل في التشريعية.
مرة أخرى إذ يتقدم قيس سعيد بوضوح عن كل منافسيه ويفوز – نظريا- منذ الدور الأول بـ%58.7 بفارق عريض على صاحبة المرتبة الثانية عبير موسي التي تتحصل على %10 من نوايا التصويت.

ولكن الملاحظة هنا هو أن قيس سعيد يخسر حوالي 10 نقاط كاملة مقارنة مع بداية جوان الفارط في حين تربح عبير موسي أكثر من خمس نقاط وتمر من %4.6 والمرتبة الثالثة في جوان إلى %10 والمرتبة الثانية في جويلية متجاوزة لأول مرة نبيل القروي الذي لا يحصل إلا على %8.4 فهل يعني هذا أن الصورة الحالية مازالت قابلة لتطورات ضخمة ؟ لا يمكننا اليوم الجزم بهذا ولسنا ندري هل ستتمكن عبير موسي من تحويل نجاحها كحزب إلى نجاح شخصي سياسي يسمح لها بالتنافس الجدي في الانتخابات الرئاسية القادمة أم لا ؟

الواضح إلى حدّ الآن هو حصول فجوة بين الشخصيات والأحزاب وعجز عن تحويل الزخم الشعبي من سياق إلى آخر : الرئاسي للتشريعي أو العكس ،وكأننا بالناخب التونسي لا يريد أن يضع بيضه في سلّة واحدة.
لاشك عندنا أن نتائج نوايا التصويت هذه ستمثل صدمة كبيرة لجزء هام من الطبقة السياسية وستضطر العديد إلى مراجعة الحسابات وتعديل الموجة وفق انتظارات الرأي العام ..

لقد نجحت عبير موسي – تقريبا لوحدها- في قلب المعادلة السياسية وفي فرض حزبها، رغم عزلته في البداية إلى أن يكون محوريا في الحياة السياسية الآن وغدا وهذا ما يرجح لدينا بأن كل منافسيها سيبذلون قصارى الجهد لتجنب فرضية انتخابات تشريعية سابقة لأوانها حتى لا يسمحوا لعبير موسي ولحزبها بتحويل هذا الزخم الشعبي إلى حضور مؤسساتي والى فوز محتمل في التشريعية وبالتالي الانتقال السريع من المعارضة إلى الحكم ..

مازالت تفصلنا أكثر من أربع سنوات عن الموعد الطبيعي للانتخابات التشريعية، ولكن هنالك انتخابات جهوية في الأفق (2021 أو 2022) ثم انتخابات بلدية عامة في 2023 والأكيد أن هاتين المحطتين ستكونان بمثابة البروفة النهائية قبل موعد الحسم في 2024..
نحن أمام مشهد سياسي جديد بصدد التشكل ..
مشهد لم يبح بعد بكل إسراره ..

• غدا : الباروميتر السياسي لشهر جويلية 2020

• الجذاذة التقنية للدراسة:
- العينة : عينة ممثلة للسكان في الوسط الحضري والريفي مكونة من 847 تونسيا تتراوح أعمارهم بين 18 سنة وأكثر.
تم تصميم العينة وفق طريقة الحصص (Quotas) حسب الفئة العمرية ، الولاية ، الوسط الحضري أو الريفي.
- طريقة جمع البيانات : بالهاتــــــف
CATI (Computer Assisted Telephone Interviewing, Call-Center)
نسبة الخطأ القصوى: %3.5
تاريخ الدراسة : 08 جويلية 2020 إلى 10 جويلية 2020

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا