بعد لقاء الثلاثي ... اليوم القروي يلتقي الفخفاخ رسميا : قلب تونس يتسلل إلى الحكومة

تستعير السياسة من المسرح والسينما جانبها المشهدي الفرجوي الذي يضمن سلاسة الانتقال بين الازمنة والأمكنة والشخصيات

في ظل حبكة درامية تشد المشاهد لكن دون ان تورطه عاطفيا لتجنب كثافة الصدمة التي يجب ان تسقى قطرة بقطرة ، لقاء الثلاثي صباح امس ثم لقاء القروي والفخفاخ اليوم، هكذا تجلت عملية الاخراجية التي تهدف الى تمرير توافق كان «محرما» قبل ان يباح ولكن بحفظ ماء الوجه.

ويبدو ان الفريق الاتصالي لرئيس حركة النهضة قد انفق حيزا من الزمن ليختار الصورة الانسب لنشرها، فالحدث مفصلي ويجب ان تعبر الصورة عن حجمه ولكن دونما اسراف او مبالغة قد تؤدى في النهاية لرد فعل عكسي. هذا الهاجس ربما شغل الفريق الاتصالي الذي تفحص صور اللقاء الثلاثي الذي جمع نبيل القروي وراشد الغنوشي والياس الفخفاخ، لتنتهى عملية الاختيار بالصورة المرافقة للمقال.

ثلاثي يجلس في وضعية استرخاء في قاعة الاستقبال بمنزل زعيم النهضة ، القروي يجلس على يسار راشد الغنوشي الذي توسط المجلس تاركا إلياس الفخفاخ على يمينه ، الاول والثاني يحدقان في الفخفاخ الذي يبدو انه حقق مراده من اللقاء مثلما حققه نظريه الكل فرح بما لديه والاهم فرح رئيس الحركة الذي وضع قدما على قدم معلنا انه «الزعيم» والحاكم الفعلي.

صورة عبرت لوحدها عما حمله اللقاء الذي عقبه بلاغ صدر عن الاطراف الثلاثة ، حركة النهضة، حزب قلب تونس وفريق إلياس الفخفاخ المكلف بالمشاورات الحكومية ، يشير الى عقد اللقاء ومكانه وزمانه ومن حضره ، بالإضافة الى تعليق لم يتجاوز السطر الوحيد مفاده ان اللقاء ايجابي وبناء. بعد ان وضعه في اطاره وهو تقريب وجهات النظر بين الثلاثي.

هذا هو اقصى ما سمح بخروجه من اللقاء الذي تكتم الثلاثي على تفاصيله بشكل غير معتاد من اي منهم ، فلا احد يرغب في ان ينقض الاتفاق المبرم وهو التنسيق الاعلامي وعدم تسريب اي معطى قبل تحقيق التقدم في حزمة الاتفاق وكيفية اخراجه للعلن بصيغة تحقق معادلة بسيطة، حفظ ماء وجه الفخفاخ وعدم تقديمه كمن اغلظ في الايمان ونكصها وتخلى عن عهده.

هذا الهاجس هو ما شغل الثلاثي الذي التقى امس لاول مرة معا ، ولكن في لقاء غير رسمي، وفق ما تصر عليه النهضة، التي لم يخف احد قادتها ان اللقاء شهد لحظات توتر وهو امر طبيعي نظرا للضغط الذي كان عليه الثلاثي خلال الاسبوعين الفارطين، ولكن في نهايته بلغ مستوى من الاريحية تسمح بالبناء.

اريحية هي احد المؤشرات الايجابية التي يسمح بان تتسلل من الطوق المفروض على مضمون اللقاء، الذي بلغ ما يمكن اعتباره اتفاقا اوليا بين الثلاثي على حل الازمة بينهم، اتفاق يتضمن الخروج من القطيعة الى التعاون، والتعاون هنا يقصد به ان يجد قلب تونس مكانا له على طاولة المفاوضات، ولكن في الصف الاول او الثاني هذا لم يحدد بعد.

فما اتفق عليه الاطراف الثلاثة ، هو بالأساس صيغة توفر ما يبحث كل طرف عنه لدى الاخر، فالنهضة ضمنت تحقيق شرط توسيع قاعدة المشاورات بإلحاق قلب تونس، وتكتفي بهذا القدر طالما ان الفخفاخ التقى وسيلتقي بنبيل القروي بشكل رسمي ليكسر بذلك «خط الرئيس» وتمدد الزمن الرئاسي.

لقاء تعتبره النهضة كافيا لها لتحقيق مرامها، وان لاتزال تطالب بان يتقدم الفخفاخ في اتجاهها بخطوات اكبر، وقلب تونس حقق ما بحث عنه كسر حلقة النبذ والإقصاء ، وإقحامه في المشهد الحكومي وان بدرجات مخففة تسمح له بالمشاركة ولكن ليس بالتواجد الصريح والعلني. وهذا كاف له في هذه المرحلة لتحقيق هدفه الاول وهو ضمان تماسك الحزب وبقائه.

اما بالنسبة للفخفاخ فقد حقق ما بحث عنه دعم الحركة وحفظ ماء وجهه، اذ يتضمن الاتفاق ما يسمح للرجل بالقول انه استجاب لنصيحة النهضة وطيب خاطرها لكنه في النهاية مارس قناعته وهي عدم مشاركة قلب تونس في حكومته، حتى وان صوت له بعض نواب الحزب في جلسة منح الثقة.

الفخفاخ وهو يعلن هذا سيحفظ ماء وجهه ويضمن مرور حكومته ويوفر لها خططا بديلة ، لكنه في المقابل سيمنح قلب تونس موطئ قدم في الحكم بطريقة غير مباشرة، هذه هي معادلة الثلاثي التي وصفت بالبناءة والايجابية، وهي نصف الطريق بالنسبة لهم، اذ تظل امامهم عقبة اخراج هذا الاتفاق الى النور.

عقبة يبدو انها ستشهد معاجلة بشكل مختلف، فالفخفاخ يدرك انه بلقائه القروي وان كان لقاءه غير رسميا، لن يستطيع تسويق معالجة للامر ان لم يجعل اللقاء بالقروي رسميا وفي العلن، وهو ما سيحدث اليوم، اذ سيلتقي الفخفاخ بالقروي ووفد مصاحب له صباحا بقصر الضيافة بقرطاج.

لقاء أعلن عنه فريق الفخفاخ وحزب قلب تونس الذي اصدر بلاغا حمل بدوره هوامش مشهدية التوافق، فالبلاغ يشير الى ان اللقاء الثلاثي لا يعنى ان الحزب قرر الدخول في الحكومة وان كان يقبل الذهاب للمشاورات التي دعي اليها وسيتفاعل معها ايجابيا.

هكذا سيقع تسويق التوافق خطوة بخطوة، للسماح للمشاهد بالتشبع بالتفاصيل و التعقيدات قبل بلوغ النهاية التي وقع تهيئة المتلقين لها، فهي نتاج طبيعي لكل ما سبق من تمهيد يحقق في النهاية غرضه الاساسي منذ بداية المشهد الفرجوي ، الذي انطلق ليضمن نهاية سعيدة للثلاثي، الغنوشي الفخفاخ والقروي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا