حركة النهضة: خلافة «الشيخ» تهدد وحدة الجماعة

في تاريخ الجماعات الاسلامية كما الكيانات العقائدية والأيديولوجية خلافة الزعيم/ القائد كانت تقوم دائما على تقديم «ولي للعهد» بشكل مباشر

او مبطن بهدف تجنب التصدع والانقسام الذي يقترن بحرب خلافة الزعيم، حرب تعيش النهضة اليوم على وقعها وان كانت نيرانها خافته.

ماإن تهب «رياح هافتة» على جمر الصراعات صلب حركة النهضة حتى تستعر النيران، وهذه المرة اتت الرياح مع استقالة زياد العذاري من كافة مسؤولياته بالحركة، امانة عامة وعضوية المكتب التنفيذي، وهو ما عبر عنه في تدوينة قال فيها « قررت التخلي عن كل مسؤولياتي داخل حزب حركة النهضة» معلنا ان هذا القرار اتخذ منذ «بداية الاسبوع الفارط» وانه ابلغ به رئيس الحركة.

استقالة تمسك بها العذاري رغم رفضها من قبل رئيس الحركة راشد الغنوشي الذي التقى به بهدف اقناعه بالعدول عنها، لكن تمسك الاخير حال دون ذلك، والسبب وفق ما كشفه العذاري انه بات «غير مرتاح البتة للمسار الذي أخذته البلاد منذ مدة خاصة مع عدد من القرارات الكبرى للحزب في الفترة الاخيرة».

مسار يقول انه لم ينجح في اقناع مؤسسات الحزب بتغييره او تعديله، وانه لم يقتنع بوجهة نظر مؤسسات الحركة ودوافعها لاتباع هذه المسارات. واخرها كان ملف تشكيل الحكومة التي قال انها «لا ترتقي الى انتظارات التونسيين و لا الى مستوى الرسالة التي عبروا عنها في الانتخابات الاخيرة» بل هي اقرب الى «استعادة نفس اخطاء الماضي».

هذا الاعلان المفاجئ من قبل العذاري جاء عقب اعلان قادة النهضة ان رئيس حركتهم قدم لرئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي قائمة اسمية بالشخصيات المقترحة لعضوية الحكومة القادمة، كما ان الاستقالة تزامنت مع حراك داخلي تعيش على وقعه النهضة منذ اشهر احتدمت وتيرته مع انتخاب رئيسها راشد الغنوشي لرئاسة البرلمان في 13 نوفمبر الجاري، والتجاذب الذي نجم عن سعي جزء من قادة النهضة الى ضمان مكان في الهيئة التسيرية التي ستحل محل الغنوشي في تسير الحزب الى حلول موعد المؤتمر الـ11.

هذا المؤتمر هو لب الصراع وسببه في النهضة التي عدلت نظامها الداخلي في 2016 لتحدد عدد الدورات الرئاسية باثنتين، وهو ما يعنى ان رئيسها الحالي راشد الغنوشي سيغادر سدة قيادة الحركة مع المؤتمر. واقع تعايشت معه النهضة في السنوات الثلاث الفارطة ولكنها لم تستطع ان تكبح الخلافات نهائيا، وهو ما شهدته الحركة في اكثر من ملف استطاعت ان تتجاوزه بهدوء قبل حلول واقعة القائمات الانتخابية وإبعاد قادة الصف الاول من التيار المعارض لراشد الغنوشي.

عملية إبعاد قادها رئيس النهضة بنفسه وجسدها في اسقاط اسماء من القائمات المرشحة للانتخابات التشريعية وتعويضها بأسماء من الخط المحسوب عليه في الحركة، وهذا ما غذى الصراع اكثر. اذ ولدت سياسة رئيس الحركة مخاوف لدى معارضيه من توجهه لتهيئة الارضية لجماعته للامساك بمقالد الحركة بعد خروجه.

مخاوف دفعتهم لاعتماد مقاربة اكثر صدامية مع الشيخ وانصاره، والتحرك بشكل مكثف في مجلس الشورى، الذي بات يمثل مركز ثقل لمعارضي الشيخ وانصاره، لدفع الحركة في اتجاه يعيد توازن التموقعات داخلها. وخير اداة لتحقيق ذلك ملف الحكومة ورئاستها، اين برزت سياسة الشق المعارض وعبرت عن نفسها بوضوح.

وضوح تجلى في تعديل كفة النهضة لتبنى خطاب مغاير عما رفعته منذ منتصف سبتمبر الفارط، خطاب التوافق وخطاب الثورة، ودفع اكثر الى التقليص من حدة الخطاب الانتصاري وبحث عن تجاوز ارتباك المواقف السياسية للحركة.

خط معارض دفع بثقله لتحجيم ما يعرف بـ«منظومة الحكم» في النهضة والقصد هنا جماعة الشيخ وما حققوه من مكاسب سياسية ومواقع في الدولة، ليخوضوا معها صراعا ادى الى اهتراء هذه المنظومة وانسحاب افرادها تباعا.

انسحاب دفعوا اليه بحكم تتالي الضربات التي وجهت اليهم من الشق المعارض للغنوشي، وهو شق يهيمن بالأساس على الجهاز التنظيمي للحركة وله شعبية لدى قواعدها وهياكلها المحلية والجهوية. شق ينظر اليه في الحركة على انه المتنفذ داخليا وتنظيميا وان ابعد من قبل رئيس الحركة عن السياسات والخيرات الكبرى، وهذا يعنى اليوم انه بات يمثل كابوسا لجماعة الرئيس، فهم خسروا امامه في مناسبات عدة اولها الانتخابات الداخلية للحركة وإعادة تنظيمها ثانيها في مجلس الشورى وما ادى اليه ذلك من تحجيم طموح او ابعاد عن مواقع سياسية كبرى تساعد صاحبها على بسط نفوذه في الحركة.

محاصرة من جهات عدة دفعت بشق من داخل الحركة الى البحث عن حلول جديدة تضمن تحقيق استقرار داخلي في مرحلة ما بعد راشد، ومن هذه الحلول ما يقترحه رفيق عبد السلام من تأجيل للمؤتمر الى وقت لاحق او تعديل للنظام الداخلي بما يسمح باستمرار راشد الغنوشي في الرئاسة.

مقترحات نشرت للعلن لإعادة فتح النقاش مع توالي الانسحابات الصامتة في الحركة بهدف الضغط على الخصوم ولعب ورقة الانقسام او انفراط عقد الجماعة، غير ان هذه الاستراتيجية لا يبدو انها ستعرف نجاحا.

فالجماعة الغاضبة على الغنوشي تعتبر نفسها أنها قدمت تنازلات في المؤتمرين الـ9 والـ10 وأنها لن تقبل بتكرار ذلك خاصة في ظل ما تعتبره سياسة ممنهجة لاقصائها وتعويضها بجماعة موالية للغنوشي في الجهاز والهياكل. أي انها تعتبر نفسها في حرب وجود مع خصم كانت قاب قوسين من انهاء وجوده في الحركة في 2016 ولكنها اختارت تجنيب الحركة تصدعا.

هذا التصدع لم تعد قيادات في الحركة تخشاه بعد ان تأكدت من هيمنتها على مفاصل الحزب وانها لم تغنم مناصب قيادية عليا، بل هي تدفع في اتجاه الفرز وحسم التأرجح في التموقع.

حرب يبدو انها اندلعت وأدخنة نيرانها باتت ماثلة للعيان وهي في طريقها لتستعر مع الاقتراب من موعد المؤتمر او مع كل خيار يتخذه رئيسها الحالي ويصنف على انه استهداف لشق لتعزيز حظوظ الاخر، أي ان الصراع اليوم قد يتجه ليصبح بشكل مباشر مع زعيم النهضة ومؤسسها راشد الغنوشي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا