المساواة في الإرث بين المرأة و الرجل : مشروعية الطرح الفكري خارج سوق السياسة

خميس بن هنية

 تقدم النائب مهدي بن غربية بعريضة للإ مضاء تؤسس لمشروع قانون يقضي بالمساواة في الارث بين الرجل والمرأة. فأثار ذلك جدالا واسعا و أخذا وردا وإمضاء و تراجعا و تأييدا و معارضة بين النواب والأحزاب وأطراف مختلفة في الشبكة الإجتماعية . وبعد أن

نسجل تقديرنا لهذا النائب صاحب المبادرة و جرأته و حقه في إثارة القضية فإنه يجدر بنا أن نسجل بعض الملاحظات قبل أن نخوض في صلب الموضوع : أولها ان الثورات و اصلاحاتها الكبرى على مر التاريخ تسبق بالمفكرين الكبار لإنجاز موادها و البحث و الجدال فيها قبل أن تمر إلى النشطاء السياسيين و صناع القرار الذين يلازمهم هاجس الحسابات و التكتيكات و هو أمر يتفهمه المحلل و المؤرخ والثورة الفرنسية سبقها فرسان الفكر قبل أن يخوض غمارها السياسيون و تلتحق بها جماهير الشعب و حتى المتشددون مثل «البدون سراويل» «les sans-culottes». والقضايا المتعلقة بالعائلة و المرأة بدأ طرحها مع الطاهر الحداد و غيره منذ ثلاثينات القرن الماضي و لم يتدخل و لم يحسم فيها الزعيم بو رقيبة إلا سنة 1956 في مجلة الأحوال الشخصية و ترك المهمة آنذاك لأهل الفكر و

الرأي و شاركهم لاحقا و في ذلك تأكيد على اسبقية الفكر على القرارات السياسية و تكون الثقافة و الفنون الزيت المسهل للعملية. وإلا فإذا اختل هذا الترتيب عندنا يصبح رجال السياسة كمن يركبون خيولا بدون برادع وسروج و هو ما يذكرنا بلجان حماية الثورة الذين ركضوا بدون بوصلة فكرية سياسية فانتهى وجودهم بسبب الضبابية و الغبار الذي أحدثه ركضهم. و لكن كل هذا لا يمنع بتاتا من الطرح الفكري من الآن و ليس غدا لقضية المساواة في الإرث بين الرجل و المرأة. و يحسن و يتأكد ذلك خارج سوق السياسة و الأحزاب المرهقة حاليا بخيبة الشباب ومرض المحاصصة و«الحزبقراطية «و كثرة المشاغل ويترك بذلك طرح هذه القضية لأهل الفكر و البحث و منهجية مقارعة الحجة بالحجة بعيدا عن الغوغاء و الابتذال وبعيدا عن الاعتقاد مثلا أن حركة النهضة مكلفة بوظيفة كهنوتية وصائية على الدين والشريعة و أن الجبهة الشعبية أو نداء تونس بنفس الامتياز بقيادة العلمانية و القوى المدنية و هو أمر لا يكتسب إلا على أرض الواقع والتاريخ لا بالنفخ الذاتي الكاذب .

الإطار الاجتماعي و الثقافي الذي نزلت فيه آية الإرث
لقد وردت الآية 11 من سورة النساء المتعلقة بتشريع الارث << يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين >> في ظروف اقتصادية واجتماعية و بيئية و ثقافية ذات خصوصيات منفردة . لقد نزلت في مجتمع جاهلي و كلمة جاهلي لا علاقة لها بتاتا بالجهل فزهير بن أبي سلمى كان من كبار الشعراء الاخلاقيين الحمالين للمعرفة والحكمة المتفوقة كثيرا على عقول البغال الداعشية اليوم . و تعني كلمة جاهلية الغطرسة l'arrogance و الظلم و الاحتراب بين القبائل المتناحرة . ولا حق للمرأة أن ترث من أبيها ولو قيمة قرش واحد بل أكثر من ذلك لا حق للذكر أن يرث شيئا من والده إلا اذا كان قادرا على حمل السيف لحماية القبيلة. و يتبين بذلك أن المرأة و الذكر المعاق هما أضعف الحلقات في مجتمع قاس يعيش على أرض قاسية يتحمل الرجل وحده تحصيل القوت للعائلة عن طريق العمل أو غنائم الغارات .

فجاءت أحكام الإرث محسوبة مدروسة واقعية متناسبة مع البيئة الإجتماعية تتقدم على الواقع و تصلحه لكنها لا تقفز عليه، تراعي الثقافة الضاربة بعروقها في الأرض و التكوين النفسي المشترك في غياب دولة و في وسط قبائل تئد البنات وهن على قيد الحياة بصورة وحشية تثير في رؤوسنا اليوم دوارا حين نتخيلها. في هذا المحيط الثقيل كان يمكن التدرج في التعامل مع واقع يتحتم إصلاحه. واشتملت الآيات المتعلقة بالارث على إشارة قوية تفتح الباب للاجتهاد و توخيه عبر جميع العصور ، إنها الوصية التي يستطيع بموجبها الموروث منه أن يخصص الثلث من تركته إلى من يشاء من خلفه وهو ما يمكن ان يساوي بين الذكر و الأنثى في بعض الحالات المستوجبة للاجتهاد . و هذا يمكن أن يحدث إحراجا أو لوما من الذكر او الاجوار أو الأقارب يلحق بالمورث في العصور اللاحقة و قد لا يرفع إلا بقانون صريح و مفروض من دولة تنزع نحو الحداثة. و يجدر بالذكر أن تفاصيل الارث لم يكن ممكنا التدقيق فيها الا بعد قرن ونصف حين تطوّر علم الحساب لاحقا كما يذكر ابن خلدون. و هو ما يدعم فكرة الحركية و التطور في مسار الاجتهاد المتعلق خصوصا بحياة المجتمع و العائلة والظروف الاقتصادية و الثقافية.

الازدواجية و التناقض في التعامل مع النص المقدس وقضايا المرأة و غيرها:
منذ قرنين تقريبا وعلى مدى المسيرة الاصلاحية التي حدثت في البلاد العربية وفي تونس وقع التخلي عن مؤسسات مجتمعية إما سنها الدين أو لم يحرمها كعقوبات الجلد و الرجم و قطع الأيدي و تجارة العبيد بينما أصبح مجرد الحديث جريمة في بعض القضايا كالمساواة في الإرث بين الجنسين. و خطت المرأة التونسبة خطوات عملاقة في التعليم و التشغيل و الثقافة و كادت تتفوق أو تفوقت بالفعل على الرجل بينما مازلنا نسمع عن المرأة المطلقة المتروكة بأطفالها دون تغطية صحية ومازلنا نسمع عن آباء يبنون العمارات للذكور و يتركون بناتهن الاناث في خصاصة و فقر و يحجون الى بيت الله ويعتمرون بانتظام. لقد كان التشريع القرآني متقدما كثيرا في مقاصده على المجتمع الجاهلي و لكن من حيث طريقة المعالجة كان متدرجا متفهما و محسوبا فلماذا يبقى اليوم تشريعنا مزدوجا و انتقائيا و خجولا و أقل شمولية من دستورنا ومنظومة حقوق الانسان الكونية ؟ لماذا يثار الحديث عن مسائل أكل عليها الدهر و شرب كالاحباس و الاوقاف و تعدد الزوجات و زواج العرف و ختان البنات و صندوق الزكاة الذي استبدلته الدولة العصرية بنظام الجباية و تركت فريضة الزكاة أمرا شخصيا تابعا لحيز العبادات. بينما يستنكر الحديث عن المساواة في الارث بين الرجل و المرأة ؟

عامل الثقافة و الادب و الفنون و تداخله مع مسار الاصلاح
إن وزن الثقافة و الادب و الفنون لا يقل وزنا و ثقلا عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في مسار الاصلاحات المفصلية الكبرى في المجتمعات إذ هي العامل المعنوي الروحي المنشط و القدرة الكامنة التي تفرز ثقافة المواطنة و قيم الحرية والانفتاح و ترقيق الاحساس و عواطف التضحية و المحبة نحو الوطن و شريك الوطن و العائلة و الإبن و البنت و سائر افراد المجتمع. و أقتصر هنا على نماذج قليلة دقيقة معبرة عن تكويننا الثقافي على مر العصور . فمثالا على ذلك كان الشعر الجاهلي مشبعا بعقلية المغالبة و الروح القبلية و غياب الدولة القانون كما يتضح في قول الشاعر زهير بن أبي سلمى «ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم « و «من لم يظلم الناس يظلم». و كان مشبعا بتهميش المرأة. و استمرت هذه البنية الثقافية ختى في العصر الأموي وقد لخصها الشاعر الفرزدق في بيت شعري يحث الرجل على تفضيل الذكر على الانثى لأنه يحفظ الاسم و الدم و المال بينما لا يتحقق ذلك بالانثى :

بنونا بنو أبنائنا ، و بناتنا أبناؤهن أبناء الرجال الأباعد
في مقابل ذلك يروي ميخائيل نعيمة الاديب الحداثي المصلح في نص أدبي رائق واقعة حقيقية من قصة حياته في قريته «بسكنتا» في لبنان أن أم نعمان والدة بنت عمرها 10 سنوات و طفل عمره 6 سنوات مرض بالحصبة فوصف له الطبيب الشعبي دواء يتمثل في عسل النحل البري الذي لا يوجد الا في ادغال جبل الشخروب . سرقت البنت نفسها و تسللت إلى الجبل على بعد 15 ميلا و أتت محملة بشهد ذاك النحل الذي كان يلدغها باستمرار طول المسافة. لما وصلت إلى البيت قالت : هذا لأخي نعمان . وسقطت مغشيا عليها من شدة اللسعات و ماتت و شفي الطفل من مرضه و أكملت أم نعمان بقية حياتها مع ولدها نعمان و في قلبها زفرات الحزن تأكل قلب الحديد على ابنتها الفقيدة . فمن أي معدن بشري هذا الذي يفضل ذكرا على انثى ؟ وعن أي ثقافة نبحث ؟ تلك التي تسمو بالنفس و تشبعها بالحب و الحنان و الذوق الرفيع ... أم تلك الثقافة التي تؤسس للقسوة و التمييز اللّا مبرر؟

إسألوا المواطن البسيط و رجل الفكر قبل أن تستشيروا القصور الثلاثة من باردو الى قرطاج وقبل أن تتركوا الأحزاب و الغوغاء تتطفل على القضايا المفصلية في بناء إنسانية الانسان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا