حركة النهضة تقدم وثيقة تعاقد للحكومة: استمرار لسياسات الحكومات السابقة هل تقنع الاحزاب؟

قدمت يوم أمس حركة النهضة ما تطلق عليه اسم «مشروع وثيقة تعاقد للحكومة» بشكل رسمي في ندوة صحفية قال فيها قادتها الكثير

عن وثيقتهم وعن المشاورات التي أطلقوها، لكنهم لم يقولوا بشكل صريح ان مضمون وسياسات الوثيقة المعروضة لا يسمح لهم بتشكيل تحالف واسع كما يرغبون في ذلك لعدة أسباب أولها أنها استمرار لسياسات حكومة الشاهد نفسها.

بعد ان أجلتها بـ24 ساعة عقدت حركة النهضة ندوتها الصحفية لتعلن عن تطورات مشاورات تشكيل حكومتها، مستندة على وثيقة مشروع أطلقت عليه اسم «وثيقة تعاقد للحكومة» قدمتها للأحزاب المعنية بالمشاورات وفق ما أكده القيادي بها عماد الخميري.

الخميري الذي يشغل خطة ناطق رسمي باسم الحركة اختار في ندوة يوم امس ان يربط بين تقديم الوثيقة وبين موقف حركته بشان هوية رئيس الحكومة، ليؤكد ان النهضة تتمسك برئاسة الحكومة، وفق ما يقرّه الدستور وكذلك الخيار الذي أقره مجلس شورى الحركة.

منصب تتمسك النهضة بان يكون لها ، حتى وان لم تحدد هوية الأسماء المرشحة له، باعتبار ان الوقت لم يحن بعد لتقديمها، كما ان للحركة قناعة بان السياق الحالي يستوجب ان تقع مناقشة البرامج قبل الأشخاص.

تمش تعتبره النهضة اساسيا وفق القيادي بها، الذي شدد على ان رئيس حركته عقد لقاءات مع قادة الأحزاب الفائزة في التشريعية وسيعقد لاحقا لقاءات اخرى، ستناقش وفق قوله الوثيقة وبرنامج الحكم المشترك كما أكّد القيادي بالحركة خليل العميري، أنّها ستشهد تعديلات قبل ان تقدم صياغتها النهائية بصفتها برنامح حكم عن تقديم الحكومة القادمة.

هذه الوثيقة التي تقدمها النهضة لأحزاب تتضمّن 5 محاور تتعلق بمكافحة الفساد وتعزيز الامن وتطوير الحوكمة ومقاومة الفقر ودعم الفئات الهشة ومتوسطة الدخل، وإصلاح منظومة الصحة والتعليم والمرافق العمومية، رابعا النهوض بنسق الإستثمار والنمو والتشغيل واخيرا، استكمال المسار التاسيسي وتركيز الحكم المحلي.

محاور فصلتها الحركة في نقاط واجراءات تعتبرها كافية لفتح النقاش مع حلفائها المرجوين، رغم اقرار قادتها وادراكهم الى ان جل النقاط المذكورة في مشروع الوثيقة «بلاغية» لا تتضمن تفاصيل تقنية تقدم كيفة تنفيذها وكم تبلغ التكلفة ومن اين سيقع تمويلها ؟.

هذا يترك الى وقت لاحق وفق النهضة، التي تريد من وثيقتها ان تقود المشاورات مع الجميع، وهي تدرك ان فلسفتها وتوجهاتها الكبرى في المشروع إذا فصلت ستكشف عن امر محوري، لا ترغب فيه، وهو ان المشروع المقترح ليس الا استمرارا لخيارات حكومة الشاهد، وللخيارات المتبعة في الخماسية الفارطة.

فالتدقيق في النقاط التي تقترحها النهضة على الأحزاب يكشف عن ان النهضة وباستثناء الديباجة وبعض البلاغة التي تبنت بهما خطاب العودة للثورة والقطع مع السنوات الخمس الفارطة حافظت على تمشي حكومتي الصيد والشاهد. وهذا يتجلى في عدة نقاط لا تكتفي النهضة فيها بالحفاظ على استمرارية خيارات الحكومات السابقة فقط بل وتعتمد ذات الاهداف والبرامج المعلنة.

من ذلك تصورها لكيفية مقاومة الفساد والاجراءات التي ستتبعها، على غرار اعتماد الرقمنة في الموانئ وتعزيز قدرات القطب القضائي المالي اضافة الى مراجعة التشريعات التونسية، نقاط اعلنتها حكومة الشاهد في اكثر من مناسبة تحدثت فيها عن سياستها في مقاومة الفساد.

كما ان استمرار سياسات سابقة لا يقتصر على ملف مكافحة الفساد، بل يشمل تحقيق التوازن في المالية العمومية عبر الضغط على كتلة الاجور لتكون في حدود 12.5 من النتاج القومي وهو ذات هدف حكومة الشاهد، كذلك اعادة توجيه الدعم لمستحقيه واصلاح المنظومة الجبائية.

هذه النقاط التي تعكس توجهات سياسية واقتصادية لا تقطع مع العهدة الفارطة، يبدو انها تجعل من الاحزاب المعنية بمناقشة البرنامج والموافق على الانضمام للحكومة، نظريا، ينحصر في قلب تونس وتحيا تونس، باعتبار ان التوجهات المضمنة في البرنامج تتقاطع مع توجهاتهما.

فبالنسبة لقلب تونس خياراته لا تختلف عن خيارات النهضة المعلن عنها او عن خيارات تحيا تونس، الفرق بينهما هو في الاشخاص وفي الخلافات السياسية التي ميزت الفترة السابقة، اما اليوم فالثلاثي يبدو انه منسجم نظريا في توجهاتها العامة وخياراتها السياسية، التي تقوم على الاستمرارية وليس القطع.

استمرارية قد تحول بين النهضة وبين احزاب اخرى، على غرار التيار الديمقراطي وحركة الشعب وائتلاف الكرامة، رغم ما تضمنته الوثيقة من خطاب «ثوري» في ظاهره او تضمين لنقاط لا تتجاوز اصابع اليد من خيارات او برامج انتخابية لهذه الاحزاب.

وثيقة تقدمها النهضة على انها حدث مفصلي في السياسة التونسية، ينشئ تقليدا جديد في مشاورات تشكيل الحكومات، لكن في الحقيقة الوثيقة في أصلها ليست الا امتدادا لسياسات سابقة عبر عنها ببلاغة لغوية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا