فيما النهضة تقود مشاورات تشكيل الحكومة: محمد بن سالـم: الغنوشي لا يمكن أن يكون رجل المرحلة

استمع الكل الى أصوات قادة الأحزاب الرافضة لترؤس أي نهضاوي للحكومة القادمة، لكن الأصوات الصادرة من داخل الحركة

بذات الرأي لم يقع الاستماع إليها بشكل كاف بعد، أصوات ترتفع لتعلن عن أكثر من أزمة تعيشها النهضة، أولها كيفية إقناع الخصوم والبيت مشتت، وثانيهما كيفية إدارة الحكم في ظل تصاعد وتيرة المعارك الداخلية المتعلقة بالمؤتمر القادم -بالأساس- الذي سيحدد مصير الحركة دون الغنوشي.

خلال الأيام الفارطة حرصت النهضة على أن تقود المشاورات المتعلقة بتشكيل الحكومة إلى وجهة محددة، وهي إقرار الحلفاء المحتملين بحقها في أن تترأس الحكومة مقابل بعض التنازلات التي تقدمها لضمان تشكيل حكومة ائتلافية تصمد في السنوات الخمس القادمة.

مسار تريد به النهضة ان يساعد على خفض حدة الأصوات الرافضة لترؤس أي قيادي منها للحكومة القادمة، كشرط للمشاركة في الحكومة، لكن في خضم هذا الانشغال بإقناع من هم خارجها بوجهة نظرها، برزت أصوات صلب الحركة تقول بشكل صريح أنها تعارض خط زعيمها إذا تعلق الامر بالحكومة القادمة.

هذه الاصوات التي تصدر عن قيادات عاشت في الاشهر الاخيرة على وقع صراع مع زعيم الحركة والمحطين به على خلفية اكثر من ملف عادت اليوم لتعلن انا تقود صراعا جديدا معه في ملف الحكومة القادمة والتحالفات الممكنة، ومن ابرز هؤلاء محمد بن سالم الذي لم يخف معارضته لان يكون رئيس حركته راشد الغنوشي رئيسا للحكومة القادمة.

رفض اعلنه القيادي بشكل صريح شمل زعيم حركته وكل من كان فاعلا في مرحلة التوافق مع حركة نداء تونس، والسبب في هذا الرفض، وفق ما يعلنه بن سالم، هو ان المرحلة الحالية مغايرة للسابقة، فالانتخابات كشفت -وفق منظوره- عن انتصار الناخبين لأحزاب الثورة، التي تمتد لتشمل النهضة والتيار وحركة الشعب وتحيا تونس، لذلك فإن شخصيات قادت حركته في مرحلة التوافق مع النداء لا يمكن لها ان تترأس الحكومة اليوم.

شخصيات تمتد قائمتها لتشكل كلا من رئيس الحركة راشد الغنوشي ووزراء في حكومة الشاهد، يعتبرها بن سالم غير مؤهلة لان تقود مرحلة ما بعد التوافق، ليشير هنا الى انه يتبنى موقفا ينطلق من ان رئيس الحكومة يجب ان يكون محل اجماع من جميع الاحزاب المعنية بالحكومة، وهذا شرط اساسي.
شرط يتقدم بن سالم اكثر في شرحه ليشدد على انه يتبنى موقفا يقول بان رئيس الحكومة ليس بالضرورة من حركة النهضة، فقد يكون جيدا للحركة ان يترأس احد ابنائها الحكومة ولكنه لا يراه امرا ضروريا وملحا بقدر ضرورة تشكيل حكومة تجمع احزاب الثورة.

هذا الموقف الذي يقول صراحة بان بن سالم الذي يعبر عن توجه في مجلس شورى النهضة، قد يكون اقليا اليوم، يعتبر ان المرحلة القادمة يجب ان تقودها شخصيات جديدة، سواء في الحكومة او في الحركة، باعتبار ان من قادوا المرحلة السابقة تسببوا في الفشل والتعثر الذي تمر به البلاد والحركة.

بن سالم وهو يكشف عن موقفه الرافض لترؤس بعض من قادة النهضة للحكومة او المشهد السياسي الجديد، شدد على ان حركته ليس لها الحق في ان تمارس سياسة فرض الامر الواقع على شركائها المحتملين في الحكومة، إذا تعلق الامر بهوية رئيس الحكومة بل يرى انه من الضروري ان يكون لهؤلاء الشركاء دورهم في اختيار رئيس الحكومة.

موقف بن سالم الذي يقوم على ان تترأس شخصية من خارج النهضة الحكومة، سبق وان قدمه سمير ديلو الذي شدد منذ الاعلان عن النتائج الاولية للانتخابات التشريعية على ان الصندوق افرز واقعا سياسيا يحتم على الجميع ان تكون الحكومة القادمة غير متحزبة، او على الاقل ان يكون رئيسها كذلك.
ديلو دافع عن خيار ان يكون رئيس الحكومة « كفاءة اقتصادية مُسيسة وغير حزبية» لضمان تشكيل اغلبية حكم لا يمكن تحقيقها بترؤس شخصية نهضاوية للحكومة. موقف يلتقي فيه ديلو مع بن سالم وغيرهما من قادة الحركة الذين يقودون مساعي داخل الحركة لفرض هذا الخيار.

خيار يعلن اصحابه ان دوافعه هي المصلحة الوطنية بالاساس، لكن الامر يتجاوز هذا، فما لا يقوله احد من قادة النهضة بأنها -ومنذ اكثر من 6 اشهر- تعيش على وقع صراعات مخفية ومعلنه بشأن المؤتمر القادم، ومن ينجح في خلافة زعيمها راشد الغنوشي الذي سيغادر منصبه قبل نهاية الصيف القادم.

المؤتمر الـ11 المزمع عقده في النصف الثاني من السنة القادمة، هو مربط الفرس ومرد الخلافات بين قادة الحركة، سواء في التحالفات الممكنة او في شكل الحكومة وهوية رئيسها، فبالنسبة للجميع في الحركة الحكومة والبرلمان القادمان، لهما وقعهما على مجريات الصراعات الداخلية في الحركة.

صراعات احتدمت في الاشهر الثلاثة الماضية على خلفية تعديلات قام بها رئيس الحركة على القائمات المترشحة للانتخابات التشريعية، تعديلات يدرك منهم في الصف الاول للحركة ان هدفها الحفاظ على توازنات في النهضة تمهد لمرحلة ما بعد «الشيخ».، لذلك وقع ابعاد عدة قيادات عرفت بموقفها المعادي للغنوشي ومجموعته وحلّت محلها شخصيات قريبة منه.

هذا التعديل الذي اضعف حظوظ ما عرف بالشق الإصلاحي في النهضة، والذي يمتد ليشمل أكثر من جناح صلبها، اعتبر بمثابة حرب استباقية ضده لتعزيز شق في الحركة يعمل على ان يقودها بعد رحيل الغنوشي، وهو ما قد يكون هينا مقارنة بتزعم إحدى شخصيات شق الشيخ للحكومة القادمة اذ وفق تصورات صلب الحركة الكتلة البرلمانية واعضاء الحكومة ستكون الواجهة الجديدة للنهضة في مرحلة ما بعد الغنوشي، أي ان الوصول للمجلس وللحكومة سيوفر الكثير من النفوذ في الحركة بما يسمح لصاحبه بقيادة المرحلة الجديدة بيسر، وهنا رئيس الحركة نفسه حريص على ان يترك حركته في اياد يعتبرها امتدادا له ويرفض ان يغامر بترك فرص للشق الاخر في المزاحمة على «الورثة».

هذا الصراع الداخلي يشرح سبب المواقف الرافضة لان يقود شق الغنوشي - الذي يغلف ويذكر تحت وصف «شق التوافق»- الحكومة القادمة لتجنب تعزيز نفوذه في الحركة التي ستتجه لمؤتمر حاسم وهي منقسمة الى فرق وطوائف شتى، يتقاطع بعضها عند خانة «العدو المشترك»، وهنا العدو ليس من خارج الحركة بل من داخلها.

صراع سينعكس سلبا على قدرة النهضة على فرض تصورتها او خياراتها بشأن الحكومة القادمة ورئيسها، فالحركة تتجه منقسمة الى الاحزاب المعنية بالحكومة وهذا سيضعف من قدرتها على المناورة لكنها في المقابل غير قادرة على ان تتخلى عن ورقة ترؤسها للحكومة، فهي ترى أنها مسألة تتجاوز ما هو سياسي وارضاء الحلفاء، انما مسالة بقائها من عدمه بعد 2020.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا