معتمديات وأرياف ولاية «منوبة» تنتخب: إقبال ضعيف، واهتزاز ثقة الناخبين يُخيم على أجواء التشريعية

تغطية : وفاء العرفاوي –فتحية سعادة – أحلام الباشا
على خطى الدور الأوّل من الانتخابات الرئاسية توجّه ناخبو أرياف ومعتمديات ولاية منوبة إلى صناديق الاقتراع

أمس للتصويت في الانتخابات التشريعية. وخيّم ضعف الإقبال على المشهد العام حيث لم تتجاوز أعداد المتواجدين العشرات أغلبهم من فئة الشيوخ والكهول في غياب ملحوظ كالعادة لفئة الشباب وذلك بمراكز الاقتراع الموزّعة في مختلف مناطق ولاية منوبة سيدي عمر -طبربة- البطان المهرين والشويقي. وبين مخاوف الناخبين وتطلّعاتهم لمستقبل سياسي أفضل اختلفت آراء الناخبين الحالمين بتجاوز ضبابية المشهد وعدم وضوح سياسات من يسعون إلى نيل ثقة المواطنين ،وبين من خيّم عليه الإحباط من صعوبة بزوغ مشهد سياسي مختلف عن المشهد السابق في ظل تفشي الفساد وتغليب المصالح الشخصية والحزبية الضيقة على مشاغل المواطن وهمومه .

أنور الداهش 39سنة موظف قال أنه أدلى بصوته في مركز الاقتراع بمدرسة ابن خلدون طبربة مضيفا « انه وبعد فقدان ثقته في الأحزاب وممثليهم في الانتخابات السابقة ارتأى هذه المرة التصويت لقائمة مستقلة تضم عددا من الشباب آملا منهم تقديم في الأفضل لتونس بعد أن خذله من صوت لهم في الانتخابات السابقة والذين انشغلوا بمصالحهم الضيقة عوض تسخير الكراسي التي وصلوا إليها -عبر أصوات الناخبين- في الاهتمام بمشاغل المواطن على صعيد الصحة والتعليم وأيضا على صعيد الوضع الاقتصادي والمقدرة الشرائية لـ«الزوالي» وفق تعبيره. وأشار إلى أن ما ينتظره شباب طبربة واضح وجلي لان مطالب انتخابات 2019 هي ذاتها مطالب 2014 لأنه وللأسف-على حد تعبيره- لم يتحقق منها الكثير رغم أنّ متساكني المنطقة عوّلوا كثيرا على من انتخبوهم آنذاك. وقال محدثنا أنّ المواطن يسعى للقطع مع منظومة الاستبداد والفساد وأيضا الحد من التلاعب بالقوانين واستغلال السلطة لخدمة مصالح حزبية وشخصية ضيقة، وحذر أنور الناخبين من اختيار من سيتنصلون من تعهداتهم دون الوفاء بأية وعود مما تغنى بها المترشحون قبيل الانتخابات».

غير بعيد عن المدرسة الابتدائية ابن خلدون طبربة تحدثنا إلى نهى 33 سنة معلمة تربية مختصة عاطلة عن العمل، وبدورها أكدت أن المعضلة الأساسية التي يعاني منها شباب المنطقة وشباب تونس بصفة عامة هي البطالة داعية إلى ضرورة إحياء المشاريع المعطلة منذ سنوات . وأضافت أنّها صوتت لمن رأت انه قد يخلق روحا جديدة في البرلمان بعد فترة نيابية لم تكن في مستوى تطلعات التونسيين وفق تعبيرها، مشيرة إلى أنّ «البرلمان تحول في السنوات الأخيرة إلى ساحة لتصفية الحسابات لا إلى هيكل من هياكل الدولة دوره إيصال صوت المواطن والدفاع عن حقوقه المسلوبة».

ومن بين العدد القليل من الناخبين المتواجدين في مراكز اقتراع مدينة طبربة من ولاية منوبة تحدثنا إلى سامي وهو مهندس فلاحي في أوائل الثلاثينات من عمره قال انه لم يدل بصوته إلى حد الساعة لعدم اقتناعه بأية قائمة واصفا إيّاها بالـ«المتسلقة» على مطالب الثورة والشعب . وأضاف سامي«بعد 8 سنوات من الثورة لازلنا للأسف إلى حدّ اليوم نتحدث عن مشاكل بطالة متنامية وإحباط متزايد في صفوف الشباب الباحث عن التشغيل والكرامة» معتبرا أن اغلب الأحزاب اليوم باتت مستهلكة و«مكشوفة» الوجه والنوايا لدى الناخب الذي يخير اليوم التوجه نحو قائمات غير متحزبة وغير منتمية لأي تيار من التيارات السياسية» على حد قوله.

نسبة إقبال ضعيفة وانتظارات صعبة
نسبة إقبال ضعيفة ومُحتشمة وحضور ضعيف للشباب مقابل مشاركة محتشمة للشيوخ والكهول، هذا ما لاحظناه منذ وصولنا إلى مكتب الاقتراع بمنطقة المهرين الريفية التابعة لمعتمدية البطان من ولاية منوبة وقد اختلفت أراء القلة القليلة المتواجدة بالمكان بين من اعتبر أن المواطنين يعانون إحباطا من المشهد السياسي المتقلب في البلاد، حيث اعتبر عم محمد 58 سنة وهو عامل فلاحي أن وضعياتهم الصعبة لم تشهد أي تطور منذ سنوات رغم كثرة الوعود التي يسمعونها من الأحزاب ،مضيفا أن منطقة المهرين لا ترى زائرا جديدا إلا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية سواء التشريعية أو الرئاسية لتنقطع مجددا الزيارات بمجرد انتهاء الانتخابات ووصول أصحاب الوعود إلى كراسي الحكم.

واعتبرت سناء 32 سنة متحصّلة على شهادة تقني سامي في الفلاحة وتعاني البطالة منذ 9 سنوات، أنّها صوتت لمن رأت أنه الأجدر بصوتها بعد سنوات من الخذلان. وأرجعت محدثنا نسبة العزوف في صفوف الشباب إلى عدم التزام الساسة بتعهداتهم وبرامجهم الانتخابية التي تغنوا بها لإقناع الناخبين بالتصويت لهم. ودعت محدثتنا إلى ضرورة إحياء المشاريع المعطلة وتقديم مشاريع تنموية جديدة للحد من البطالة في صفوف أهالي منطقة المهرين خاصة لدى الشباب.

إقبال هزيل للناخبين
سجّل مركز الاقتراع بمنطقة الشويقي من معتمديّة طبربة من ولاية منوبة، إقبالا هزيلا وهزيلا جدّا للناخبين. في حدود الساعة العاشرة صباحا، كان مركز الاقتراع خاليا تماما من الناخبين ولا وجود الّا لأعضاء هيئة الانتخابات وبعض الملاحظين إلى جانب بعض أعوان الأمن ووحدات الجيش.
خارج مركز الاقتراع تكونت حلقات صغيرة ضمّت بعض الشيوخ والكهول يتجادلون في ما بينهم حول القائمة الأجدر والتي قد تتحمّل حتى ولو جزءا بسيط من مسؤولياتها أمام أبناء الجهة وتتمكن من إيصال أصواتهم وتحقيق أهدافهم.

نهضة، نداء، قلب تونس، عيش تونسي، ائتلاف الكرامة،... أسماء عديدة وأشكال مختلفة لقائمات حزبية أو مستقلة ظاهريا، شتّت أذهان المنتخبين.

بين «ندائي» يحاول جاهدا إقناع بعض الشيوخ «انّه الحزب الأفضل الذي سيعمل على حل مشاكل البطالة والتهميش» ... وبين «نهضاوي» يسعى الى إقناع البعض الأخر بأنّ «حركة النهضة هي الأقرب للشعب والحزب الوحيد الذي سيحافظ على القيم والأخلاق والمبادئ».
من جهة أخرى وعلى بعد بضع أمتار على مركز الاقتراع، كانت مجموعة من النساء، لا يتجاوز عددهن الخمسة» من مختلف الفئات العمرية تتجادلن حول مدى تورط حزب قلب تونس في ما بات يعرف بـ«عقود مجموعات الضغط اللوبيينغ». رغم اختلافهن إلا أنهن اجمعن على «أن كل ذلك مجرّد تصفية حسابات سياسية وان كل ما تم تداوله في شأنه كان من أجل المسّ منه وعدم إخراجه من السجن ...»

أمّا الشباب فقد غاب بصفة شبه كلية تقريبا وفي هذا الإطار فقد اعتبر الشاب علي 23 سنة، أنّ شباب المنطقة فقد ثقته كليا في الأحزاب السياسية، مؤكدا «لا نداء ولا نهضة ولا تحيا تونس ولا قلب تونس ولا غيره من شأنه أن يعالج الحالة المزرية التي أصبحت عليها المنطقة من بطالة وتهميش».

وأضاف «لا نرى الوجوه السياسية والحزبية الا أثناء الحملات الانتخابية، يشبعوننا وعودا وهمية وكاذبة، لتنتهي علاقتهم بنا اثر الانتخابات مباشرة. كلّ منهم يسعى إلى مصلحته ومصلحة حزبه على حساب المواطن التونسي وخاصة منهم الفئة المستضعفة. لذلك انا ارفض أن أعطي صوتي لأي منهم».

أما الشاب سيف الدين 25 سنة، فقد قال «اكتفي بصوتي للرئاسية فقط، وارفض أن أكون شريكا في سلطة تشريعية تتجاهل شبابها بمجرد فوزها في الانتخابات». وأضاف «لقد بات المشهد السياسي اليوم قريبا من الكاريكاتير أكثر من الممارسة الديمقراطية حيث لم ينجح الفاعلون السياسيون إلا في مزيد تقسيم التونسيين إلى أجزاء وتقسيمات متعددة قد يصعب معها تكوين برلمان أو حتى الحلم باستقرار دولة فقبل 14 جانفي كان التقسيم حكما ومعارضة وأغلبية صامتة. وبعد جانفي تغير التقسيم إلى ثوار وأزلام مع شبح إقصاء هذا وذاك وما تبعه من توافق أفضى إلى انهيار هذين الشقين وبروز فروع عن هذا وذاك انتهت بتشتتها واضمحلالها شيئا فشيئا».

في عرسها الانتخابي... تونس يزفها شيوخها
افتتح مركز الاقتراع، بالمدرسة الابتدائية الاخوة منوبة التابعة لعمادة سيدي عمر بمعتمدية منوبة في الوقت المحدد مع الثامنة صباحا وبنظرات حادة لعدد من ملاحظي الأحزاب والقائمات وسط مكاتب الاقتراع وأخرى حذرة مخافة التأثير في رغبة الناخبين خارج المركز حيث الحضور الأمني على أتم الاستعداد ،وبعد حوالي ساعة ونصف من انطلاق عملية الاقتراع الخاصة بالانتخابات التشريعية، شهد إقبال الناخبين تراجعا لاسيما مما فئتي الكهول والشيوخ، تراجعا لم يرافقه تحسن على مستوى إقبال الشباب .

وقد أفادنا رئيس مركز الاقتراع محمد الرحموني بضعف الإقبال رافضا الإدلاء بأي معطى يتعلق بنسبة الإقبال أو عدد المقترعين واكتفى فقط بانتقاد مستوى الإقبال وذكر لعدد الناخبين في هذا المركز الذي يصل تقريبا إلى 4000 ناخب.

وقد تضمن هذا المركز 7مكاتب اقتراع ، وقع توزيعها حسب الفئة العمرية، والجدير بالذكر ان المكتب عدد واحد والذي يضم حوالي 600ناخب من الفئة العمرية المتقدمة في السن الى جانب المكتب عدد 2 والذي يضم تقريبا العدد ذاته والتركيبة ذاتها، كان من انشط المكاتب وأكثرها استقبالا للناخبين، لدرجة ان

هاته المكاتب اكتظت بالملاحظين مما حال دون عثورنا على مكان للجلوس ومتابعة سير عملية الاقتراع من داخل المكتب الذي كان يستوفي كل الشروط ،ولكن لا بد من التساؤل عن سبب كثافة المراقبين والملاحظين للمكاتب المخصصة للكهول والمتقدمين في السن ،في المقابل كنا قد زرنا أحد المكاتب المخصصة لفئة الشباب والتي لم يكن فيها إلا مراقب لحزب واحد.
وقد علقت رئيسة المكتب عن ذلك قائلة «إن توافد الشباب عموما يكون في النصف الثاني من اليوم ولكن يمكن القول إن النسبة المسجلة إلى حدود الساعة العاشرة تعد دون المأمول ودون المعدل الذي وقع تسجيله خلال الدور الأول من الانتخابات الرئاسية».
وقد قابلنا أماني البالغة من العمر 21 سنة، جاءت لتمنح صوتها لمن ترى فيه الخير للبلاد والعباد وقد أكدت أنها مارست حقها الانتخابي دون أي ضغط وبكل حرية. وغير بعيد عن المدرسة الابتدائية «الاخوة» بسيدي عمر -كيلومتر تقريبا- يقع مركز اقتراع ثان تابع لنفس الدائرة وتحديدا المدرسة الابتدائية نهج

البلدية منوبة،هنا كان الوضع أكثر سوءا من ناحية الإقبال.

فالمدرسة تضم 10 مكاتب اقتراع بأكثر من 5600 ناخب لكن في المقابل لا تجد سوى ثلاثة مكاتب على أقصى تقدير في حالة نشاط بصفة متواصلة وفيما عدا ذلك يتوزع عدد ضئيل من الناخبين على ما تبقى من مكاتب ،رئيس مكتب عدد 8 المختص في استقبال فئة الشباب والذي يضم 562 ناخبا في القوائم هلال قال إن الحسم في مستوى الاقبال غير ممكن خلال الساعات الأولى غير أن ملامح الخيبة كانت واضحة على وجهه، فهو يعي ان مستوى الإقبال لدى فئة الشباب لن يتحسن مع مرور الوقت بالشكل الذي يرتقي بنسبة الإقبال من ضعيف إلى جيد..

باستثناء مكتب عدد1وهو المكتب المخصص للكهول ،نجد بعض الناخبين، منهم الخالة نجاة، قدمت رفقة زوجها المسن للقيام بالواجب الانتخابي، قالت إن الآلام التي تشعر بها في جميع أجزاء جسدها لن تقف أمام ضرورة قيامها بواجبها الانتخابي واختيار من يمثلها ومن يمكن أن يفيد وطنها،فيما قال الحاج صالح زوجها وقد غطت التجاعيد جميع ملامح وجهه «نحن هنا لنعبر عن حبنا لوطننا».
وكثيرون هنا يشبهون « الحاج صالح « فهناك صورة تكررت أكثر من مرة في المدرسة الابتدائية بنهج البلدية ،نساء ورجال ، يعتمدون على العكاز ومنهم من ترتعش يداه ولكنه جاء بكل حب وبابتسامة المتفائل بغد أفضل أدلوا بأصواتهم .ومع خروجنا من مركز الاقتراع للمدرسة الابتدائية بنهج البلدية ،انتبهنا إلى وجود ممثل لأحد مؤسسات سبر الآراء.
عزوف الشباب
وبهدف إيجاد متغيرات ايجابية خلال النصف الأول من اليوم ،ذهبنا إلى مركز الاقتراع بالمدرسة الابتدائية الطفولة بالدندان وهي تضم3311 ناخب، يتوزعون على عدد قليل من المكاتب ولم نجد في هذه المدرسة اي معطى ايجابي يتعلق بالإقبال، فالفترة التي أمضيناها داخل هذا المركز لم نشهد فيها سوى عملية انتخاب واحدة، كانت لنوال وهي في سن الثلاثين تقريبا، أتت من ولاية جندوبة من اجل ممارسة حقها في اختيار من يمثلها وقد قالت انها قامت بالعملية في كنف الشفافية مبدية استغرابها من العزوف الذي يبديه الشباب على أداء هذا الواجب وممارسة الحق من اجل التقدم بالبلاد..
عموما لم تكن الساعات التي أمضيناها داخل مراكز الاقتراع ذات رسالة ايجابية ،فبغض النظر عن عزوف الشباب وإقبال الكهول ،فإن معظم الساحات كانت فارغة وقد واجه العديد من الناخبين إشكالية في إيجاد الأرقام الخاصة بهم نظرا لوجود تغيير في القوائم حتى ان الأوراق المعلقة كانت بصفة فوضوية وهو ما أعاق عملية القراءة ،فقد تم وضع الأوراق جنبا إلى جنب ،حيث يصعب على عدد من الناخبين إيجاد بياناتهم بفعل العلو أو صغر حجم الكتابة.في هذه المراكز الثلاثة ،نجد أكثر من 12 ألف ناخب مسجلين وهو عدد كفيل بتغيير المعطيات لكن الساعات الأولى من هذا الموعد المنتظر لا توحي بذلك ،ومع ذلك يبقى الأمل قائما حتى مع شباب اختار العزوف ليجعل الشيوخ والكهول يقودون مسيرة خمس سنوات مقبلة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا