خاص: نوايا التصويت في التشريعية إثر الخروج من مراكز الاقتراع

• رغم تراجعها الكبير النهضة في المركز الأول
• قلب تونس يخسر رهانه ويكتفي بالمرتبة الثانية
• الدستوري الحرّ يؤكد ويصبح القوة الثالثة في البلاد
• صعـود لافت لائتلاف الكرامة ولحركة الشعب
• تحيا تونس والتيار الديمقراطي بالحد الأدنى


أهم ما كشفت عنه عملية سبر نوايا التصويت اثر الخروج من مراكز الاقتراع التي أنجزتها مؤسسة «سيغما» بالتعاون مع جريدة «المغرب» هو التقدم النسبي لحركة النهضة رغم أنها حققت أسوأ نتائجها في الانتخابات العامة ذات الصبغة التشريعية (2011 و2014 و2019) وحالة من تذري المشهد فريدة من نوعها إذ غاب الحزب المهيكل (2011) أو الحزبين الكبيرين (2014) إلى جملة من الأحزاب الوسطى والصغرى تحصر حالها ما بين %5 و%20 من جملة أصوات الناخبين ،واللافت هنا هو صعود أحزاب أو ائتلافات لم تكن موجودة في البرلمان التي تكاد تنتهي ولايته كقلب تونس والدستوري الحر وائتلاف الكرامة والتي نجدها تباعا ما بين المرتبة الثانية والرابعة،كما نلاحظ،صعود هاما لحركة الشعب مقابل نتائج غير مرضية للتيار الديمقراطي وضعيفة لحركة تحيا تونس رغم إنقاذها لما يمكن إنقاذه بعد هزيمة رئيسها، يوسف الشاهد، في الرئاسية.

قبل تحليل نتائج عملية نوايا التصويت اثر الخروج من مراكز الاقتراع لنتحدث عن نسبة التصويت الاجمالية والتي قدرتها الهيئة الانتخابية في حدود %41.32 ،نقول قدرتها لان النسبة النهائية قد تكون في حدود %45 على المستوى الوطني ولكن حتى مع هذا التحيين المحتمل تظل هذه النسبة ضعيفة للغاية ودالة على أزمة ثقة في الصندوق تتفاقم من انتخاب إلى آخر .وعلى عكس ما اعتقد البعض فان هذا العزوف المتعاظم لم يستفد منه احد، لا الأحزاب الكبيرة ولا المستقلين ولا غيرهم . انه خسارة للجميع وللديمقراطية التونسية الناشئة .

النهضة تتقدم رغم تراجعها وقلب تونس لا ينجح في رهانه
أهم النتائج التقديرية لعملية نوايا التصويت بعد الخروج من مراكز الاقتراع تفرز التقدم النسبي لحركة النهضة بـ%17.5 على حزب قلب تونس الذي يحصل على %15.6 والفارق بين هذين الحزبين(%1.9) قد يكبر او يقل عن ذلك باحتساب همش الخطأ، وهذه النتيجة تعطينا تقديرا على المستوى الوطني (اي 199 مقعدا) 40 مقعدا للنهضة و33 مقعدا لقلب تونس .

ان التقدم النسبي لحركة النهضة – في انتظار أن يتأكد بصفة نهائية – لا ينبغي ان يحجب عنا التراجع الكبير للحركة الإسلامية على امتداد هذه السنين الثمانية،اذ تحصلت حركة كالنهضة على %37 في انتخابات المجلس التأسيسي ثم %27 في الانتخابات التشريعية في 2014 اي تخسر النهضة عشرة نقاط كاملة من انتخاب عام إلى اخر ، وتقدمها النسبي اليوم لا يعد انتصارا لها بقدر ما هو معبر عن الهزيمة النكراء لمن فاز في انتخابات 2014،نداء تونس ،وكل مشتقاته بل والأحزاب القريبة منه والتي تصنف عادة في خانة العائلة الوسطية ..

ولكن حركة النهضة تمكنت رغم كل شيء من التقدم على مستوى التراب التونسي (حوالي 46 نائبا من أصل 199 مقعدا ) والمرجح أن هذا العدد سيرتفع بفضل النتائج الأفضل للنهضة في الدوائر الستة للخارج والتي قد تحصد فيها الحركة الإسلامية نصيب الأسد..

وهذا التقدم النسبي للنهضة ورغم حصولها على كتلة قد تقل عن 50 نائبا سيسمح لها بأخذ المبادرة السياسية وباقتراح رئيس حكومة وبالدخول في مشاورات ومناورات قصد تشكيل أغلبية حاكمة،وافتكاك المبادرة السياسية كان هو الرهان الأساسي للصراع بين النهضة وقلب تونس حول المرتبة الأولى ..

في المقابل وفي ثاني امتحان انتخابي له بعد الدورة الأولى للرئاسية تمكن قلب تونس ذي الأشهر القليلة من فرض نفسه كحزب أساسي في المشهد النيابي القادم وسواء اختار التحالف مع النهضة او معارضتها فقلب تونس قد فرض نفسه على المشهد السياسي رغم خسارته رهان تصدر نتائج الانتخابات وما كان يسمح له بهامش كبير من التفاوض والمناورة

المفاجآت والتأكيدات
خمسة أحزاب توجد بين المرتبة الثالثة والسابعة من %6.8 للدستوري الحر إلى تحيا تونس بـ%4.7 مرورا ائتلاف الكرامة بـ%6.1 فالتيار الديمقراطي بـ%5.1 ثم حركة الشعب بـ%4.9 وكل هذه الأحزاب او الائتلافات ستكون قادرة على تكوين كتلة نيابية ما بين 14 و18 مقعدا لكل واحد منها .
إذن نحن أمام الكتل التي ستلعب دورا هاما إما في تشكيل الائتلاف الحاكم الجديد أو المعارضة البرلمانية له ..

الحزب الدستوري الحر الذي يتحصل ،مبدئيا، على المرتبة الثالثة بـ%6.8 يؤكد ما كانت تتوقعه كل عمليات سبر الآراء منذ سنة على الأقل، وقد لا تسمح هذه المرتبة الثالثة من حيث نسبة التصويت إلى مرتبة ثالثة ككتلة ولكن أيا يكن الامر فان هذا التاكيد لنتائج الدستوري الحر سيجعل من صوته الخاص المناهض لكامل مخرجات الثورة من صوت خارج المؤسسات الى صوت من داخلها .

التأكيد يأتي كذلك للتيار الديمقراطي بـ%5.1 من نوايا التصويت وبكتلة تقدر بـ14 نائبا،لاشك أن قيادات التيار الديمقراطي تمني النفس بنتائج أفضل بكثير خاصة وأنها تمكنت في بلديات 2018 من تحقيق معدل في البلديات التي تقدم فيها بأكثر من %11، ولكن التيار لم يتمكن من تأكيد هذا لا في الدور الأول للرئاسية ولا في التشريعية ولكن الحصول على كتلة نيابية بعد أن كان هذا الحزب ثلاثة نواب فقط في البرلمان الحالي يمثل في حد ذاته نتيجة مطمئنة للتيار الديمقراطي ..

المفاجأة جاءت بالأساس من ائتلاف الكرامة لسيف الدين مخلوف والذي نجده،مبدئيا،في المرتبة الرابعة من حيث نسبة التصويت (%6.1) ولكن قد يكون الكتلة الثالثة في البرلمان بـ18 نائبا وبما قد ينضاف إلى هذا الائتلاف من بعض الفائزين عن قائمات مستقلة ..

هذا الائتلاف الذي يمثل سياسيا أقصى اليمين الديني ومنافسا جديا لحركة النهضة في النواة الصلبة لقاعدتها الانتخابية، والسؤال الأساسي هو في تموقع هذا الائتلاف بالنسبة لحركة النهضة : هل سيتحالف معها، وهل ستقبل النهضة بهذا التحالف الذي يفقدها نوعا من وجاهتها ؟ أم هل سيكون في خط معارض لها ومذكرا إياها بتراجعاتها و»توافقاتها» المغشوشة ؟

أما المفاجأة الثانية فقد جاءتنا من النتيجة الهامة التي حققتها حركة الشعب بـ%4.9 من الأصوات وبكتلة نيابية تقدر بـ15 نائبا والأكيد أن لمرشح هذه الحركة في الرئاسية الصافي سعيد دور في هذا التقدم اللافت للحركة العروبية والتي تحولت من حزب صغير الى حزب متوسط له وزن في التوازنات القادمة ..
آخر هذه الأحزاب هو حركة تحيا تونس التي تأتي في المرتبة السابعة بـ%4.7 من الأصوات ولكن بكتلة تقدر بـ16 نائبا ..

لو قارنا هذه النتائج بما كانت تقدره عمليات سبر الآراء منذ نصف سنة لقلنا بان هذه النتيجة تعد هزيمة قاسية ولكن لو أخذنا بعين الاعتبار الهزيمة الكبيرة لمرشح تحيا تونس يوسف الشاهد في الرئاسية لقلنا بان هذا الحزب قد تمكن ،رغم كل شيء ،من الصمود ومن الوجود .. يبقى أن نرى كيف سيكون تموقعه السياسي خاصة أمام الثنائي النهضة وقلب تونس

الخاسرون
الخاسرون كثر في هذه الانتخابات التي قد تضع حدا لطموحات شخصية وحزبية لوجوه كثيرة اتضح أنها لا تلاقي هوى في أنفس الناخبين ..

ولكن الخاسر الأكبر هو بلا شك حزب نداء تونس الذي كاد يغيب تماما عن هذه الانتخابات رغم وجوده في 33 دائرة ولكنه قد لا يتجاوز %2 من أصوات الناخبين وبنواب لا يتجاوزون في كل الأحوال أصابع اليد الواحدة ..

الخاسر الثاني هو ائتلاف «عيش تونسي» الذي انفق أموالا طائلة،باعتبار انه جمعية لا تخضع لقائمات ولأحزاب، وقام بحملة دعائية واشهارية ضخمة ولكن نتائج الصندوق كانت اقل بكثير من امال مؤسسي هذا الائتلاف الانتخابي ..

خاسر آخر كبير هو مشروع تونس الذي كانت لديه في زمن ما الكتلة الثالثة في البرلمان الحالي ولكنه لم يتمكن من تحويل هذا الى مشروع سياسي جذاب للناخبين فخرج اليوم من دائرة الضوء، ونفس الأمر يقال عن افاق تونس وبدرجة اقل عن حزب البديل أيضا ..

اما أحزاب اليسار فقد راكمت هزيمة مدوية اخرى بعد هزيمتها في الرئاسية إذ ستفقد حضورها اللافت خلال الخماسية القادمة وهي مدعوة اليوم إلى مراجعات عميقة عساها تجدد خطابها وممارساتها وقياداتها ..

المشهد النيابي الجديد سيكون كما هو متوقع متشرذما إلى أقصى حد ولا وجود ،في قراءة أولية،لتحالف طبيعي بين قوى متقاربة بإمكانها تشكيل أغلبية حكم منسجمة وهذا يعني أننا أمام خيارين لا ثالث لهما : إما تحالف غير طبيعي قصد الحكم فقط دون برامج واضح او انتخابات تشريعية سابقة لأوانها ..

ولكن قد تتفق العبقرية التونسية على حل ثالث يسمح بتكوين حكومة مستقرة الى حد ما لا تكون خاضعة بالكلية للمناورات الحزبية ..ولكن هذا الحل الثالث والذي سنفصل فيه القول في أعداد قادمة لن يوضع على الطاولة الا بعد الفشل المحقق لمحاولات الأحزاب والكتل في تشكيل أغلبية واضحة ..

تلك هي معضلة تونس القادمة ما بعد الإعلان الأولي ثم النهائي عن نتائج الانتخابات التشريعية ..

الجذاذة التقنية

عدد الدوائر الانتخابية 27/ 33
عدد المعتدميات 267/ 274
عدد العمادات 743/ 1973
عدد مراكز الاقتراع 778/ 4554
حجم العينة 45600
هامش الخطأ على مستوى الوطني اقل من %1

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا