تحليل إخباري: معارك التشريعية تحتدّ: في رهانات المركز الأول

خمسة أيام تفصلنا عن الموعد الأهم في هذا الماراطون الانتخابي والمعركة – بل المعارك – بدأت تحتدّ والخطاب يشتد،

فهذه الانتخابات هي بالنسبة لأحزاب وائتلافات كثيرة قضية حياة أو موت أي قضية وجود بينما تمثل للبعض الآخر قضية حدود فقط ..

كل الأحزاب الممثلة اليوم في البرلمان تلعب وجودها السياسي في هذه الانتخابات فإما أن تثبت قدرة على الاستمرار والتقدم، وهذا قد يكون متاحا لحزبين او ثلاثة على الأكثر، أو أن تتراجع بشكل يهدد حضورها أولا ووجودها ثانيا ..

فمن انتخابات عامة إلى أخرى تظهر أحزاب جديدة وتختفي أخرى، وتفيد التجربة التونسية المحدودة في الزمن أن الاستفاقة من هزيمة انتخابية كبيرة مسألة صعبة للغاية إن لم نقل مستحيلة، ولان الطبيعة تكره الفراغ تخرج هذه الأحزاب من مواقع التمثيلية الشعبية – وإن بقي بعضها في مواقع المسرح الإعلامي – وتعوض بأخرى قد تبدي في البداية بعض عناصر القوة ولكن يبقى الصندوق هو الامتحان الأكبر ..

امتحان الحدود والوجود هذا ستعرفه أحزاب النداء والنهضة والجبهة الشعبية (بشقيها اليوم) وآفاق والحراك والتيار الديمقراطي وحركة الشعب وتيار المحبة والامتحان الأعسر قد يكون للأحزاب البرلمانية التي نشأت خلال هذه الخماسية ونقصد بها تحديدا تحيا تونس ومشروع تونس ..

ولكن هنالك أحزاب أو كائنات سياسية أخرى نشأت مؤخرا أو لم تتمكن من الوجود في البرلمان الحالي وهي تلعب بدورها ورقتها الحاسمة فإما تأكيد الوجود الفعلي أو الاستعداد للاندثار العملي ويدخل في هذه الخانة حزب البديل أو ائتلاف عيش تونسي وكذلك حزب قلب تونس وائتلاف الكرامة والاتحاد الشعبي الجمهوري ..

ولكن تبقى «أم المعارك» اليوم، كما هي الحال دائما، معركة المرتبة الأولى، وكل ما ينجر عن كسبها سياسيا ودستوريا ..

في 2011 و2014 كان اسم صاحب المرتبة الأولى متوقعا قبل أشهر عديدة من إجراء الانتخابات، ولكن في هذه المرة الوضع مختلف إلى حد ما إذ يبدو أن السمة الطاغية على الدور الأول للرئاسية ستتواصل في التشريعية: تشتت هام في الأصوات ونزول صاحب المرتبة الأولى تحت سقف خمس الأصوات وسباق محموم يبدو انه يضع وجها لوجه حزبي قلب تونس، هذا القادم من بعيد، والنهضة، والمعركة اليوم بينهما تدور رحاها حول الفوز بالمرتبة الأولى وذلك أيا كانت نسبة التصويت لكليهما، ففي الانتخابات كما في سباقات العدو الرسمية ليست العبرة بالنسبة في حد ذاتها (التوقيت بالنسبة للعداء) بل في الترتيب والترتيب فقط ..

والرهان كبير للغاية فالحزب (أو الائتلاف الانتخابي) المتحصل على اكبر عدد من المقاعد هو الذي يرشح ،دستوريا، رئيس الحكومة القادم .. وهذا الترشيح سوف يعطي للحزب الأول - ولو كان ذلك بفارق ضعيف عن الحزب الثاني- إمكانيات مفاوضة ومناورة لا تتاح لغيره ..

فالحزب الأول هو الذي سيتولى التشاور مع الكتل الأخرى قصد تكوين أغلبية حكم وهو الذي سيتفاوض كذلك معه النواب المستقلين وستكون له الأولية على امتداد شهرين كاملين ويمنح مرشحه فرصة ثانية في صورة فشله في الشهر الأول في تشكيل حكومة.

فالتقدم في الانتخابات التشريعية سيعطي لصاحبه زمام المبادرة السياسية الاساسية خاصة اذا ما تمكن من تشكيل أغلبية حكم مهما كانت هشاشتها إذن فالصراع الدائر اليوم بين النهضة وقلب تونس ليس فقط صراعا رمزيا على صاحب المرتبة الأولى في التشريعية أو صراع بين «خط الثورة» و«الثورة المضادة» كما يردد ذلك رئيس الحركة الاسلامية بل هو صراع على امتلاك حق المبادرة السياسية بنص الدستور وما يمنحه هذا الحق من قدرة على تشكيل التوازنات السياسية للخماسية القادمة ..

ولكن هذه المرة قد لا تكفي المرتبة الأولى خاصة إذا ما لم يتمكن صاحبها من إقناع ما يزيد عن %30 من نواب المجلس القادم،كتلا أو أفرادا، على الالتحاق به والعمل معه من تحويل المبادرة السياسية الى أغلبية حكم فعلية ..

معارك عديدة ستشهدها هذه الانتخابات التشريعية في مستويات شتى بعضها معارك حدود وأخرى معارك وجود ولكن ما سيطغى على كل هذا يوم 7 أكتوبر هو هوية صاحب المرتبة الأولى وما عساه فاعل بهذا التفويض الشعبي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا