في حديث لصحيفة «لوموند»: سفير الإتحاد الأوروبي في تونس ينذر بأخطار قادمة: «حكم العائلات» يعيق التطور الاقتصادي في تونس

نشرت صحيفة لوموند الباريسية هذا الأسبوع حديثا مع باتريس برغاميني سفير الإتحاد الأوروبي في تونس عبر فيه عن مخاوفه من مرحلة

ما بعد الانتخابات القادمة بسبب عدم قدرة الدولة التونسية على أخذ قرارات حاسمة في اتجاه تطوير القدرات الاقتصادية للبلاد على ضوء «التقلبات الإقليمية» التي تهدد استقرار تونس. الدبلوماسي الفرنسي برغاميني تم تعيينه في سبتمبر 2016 ليتمم إجراءات «اتفاق التبادل الحر» بين تونس وأوروبا والذي لا يزال يشهد تعثرات حالت دون تحقيق أي تقدم ملموس في شأنه.

عبر السفير الأوروبي عن قلقه، لا من حالة التشتت التي تحكم المشهد السياسي التونسي قبل موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لهذه السنة، بل من سياسة «التوافق والاحتكار» التي تنتهجها بعض «العائلات» على المستوى الاقتصادي والتي لم تواكب التحول السياسي في تونس. لأول مرة يعبر مسؤول دبلوماسي رفيع المستوى عن المخاطر التي تهدد البلاد من جراء ما يسميه التونسيون «مجموعات المافيا» والمصالح الضيقة التي تغولت في صلب الدولة و منعت أي تغيير في المنوال الاقتصادي الليبرالي بالرغم من المساعي الداخلية و الخارجية التي حثت الطبقة السياسية الحاكمة على الدخول في إصلاحات لمواكبة الوضع الإقليمي.

وأضاف برغاميني، في حديثه لصحيفة لوموند، أنه «ينبغي، مهما كانت نتائج الانتخابات، على من يحكم فعليا في القصبة أن يحدد أولويات إستراتيجية و اقتصادية واضحة و أن يتمتع لتحقيقها بأغلبية مستقرة و صلبة. وهو ما لم يحصل مع الأسف في الثلاث سنوات الماضية، الشيء الذي يفسر الوضع الحالي في تونس الذي يشكو من قلة التجهيزات الاجتماعية والاقتصادية المفروض وجودها للحماية من التقلبات في ليبيا و غدا من الممكن في الجزائر». وأشار هكذا إلى مواقع نفوذ خفية تؤثر على القرار الحكومي وتمنعه من اتخاذ القرارات الحاسمة لتطوير الاقتصاد. و أضاف السفير أن الإدارة القادمة سوف لن يكون لها خيار كما كان الحال في 2014 و 2016 ، بل «مهما كانت الاتجاهات السياسية، المنتصرون في الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة سوف يجدون أنفسهم أمام خيار: إما أن يفهموا ضرورة تطوير المنوال الاقتصادي الذي يدعم حاليا مراكز المحتكرين ، وإما لن يفهموا ذلك و في تلك الحالة يفسح المجال للقلق».

حكم العائلات
ركز السفير برغاميني جل مؤاخذاته على النظام المتبع الموروث من «الزمن القديم» والذي تم تركيزه منذ الإمبراطورية العثماني لصالح المحتكرين. وأشار إلى تغول «بعض المجموعات العائلية التي ليس لها مصلحة في بروز فاعلين تونسيين من الشباب». وذلك يرجع، حسب رأيه، إلى وجود «مواقع تفاهم واحتكارات» تمنع «الانتقال الاقتصادي». ويشير السفير ضمنيا إلى تفاهم أو تساهل السلطات مع المحتكرين والعائلات النافذة في الاقتصاد التونسي. لكنه لم ينعت أيا من الجهات النافذة. المثال الوحيد الذي استشهد به يتعلق بتصدير زيت الزيتون حيث «قررت المفوضية الأوروبية عام 2018 رفع الصادرات من زيت الزيتون بنسبة 30 ألف طن إضافي على أن تكون الكمية محفوظة في قوارير. لكن لم يكن هنالك، مع الأسف، أي رد تونسي رسمي. وذكر ذلك مجددا الرئيس جون كلود يونكر خلال زيارته لتونس في أكتوبر 2018. السبب الحقيقي هو بدون شك أن تجار الجملة، ومن بينهم مضاربون، لا يرغبون في هذا الدعم الأوروبي الذي يساهم في بروز فاعلين تونسيين جدد يراهنون على تسويق زيت الزيتون تحت علامة «صنع في تونس». بالنسبة لهم لا بد من الحفاظ على مواقع خارجة على نطاق المنافسة والتي تسمح لهم بتصدير الزيوت بالجملة. وأضاف أن هذا النظام «يشكل عقبة أمام الشفافية والمنافسة الشريفة (...) هذه المواقع الإحتكارية تحد من بروز فاعلين اقتصاديين جدد وتفتح الباب أمام الرشوة والمكافآت المجحفة والسوق السوداء».

مخاطر جهوية
الموقف الأوروبي المعلن من قبل سفير الإتحاد يسعى إلى مساعدة تونس «الجندي الحارس» حسب عبارته الذي هو في الصف الأمامي مطوق بمخاطر من ليبيا والجزائر. «إذا دخلت ليبيا في صراع طويل المدى لسنوات وهي المتنفس الاقتصادي لتونس – تشغيل وتبادل تجاري – سوف يجبر التونسيون على البحث على مواقع أخرى لخلق الثروات. بالنسبة للجزائر، الكل يشد أنفاسه الآن (... ) إن حصل أن تواجه الجزائر صعوبات سوف يكون ذلك تعقيدا إضافيا بالنسبة للاقتصاد التونسي ومن ثم للاستقرار السياسي.»

و أضاف السفير أن «رهان الإتحاد الأوروبي، خاصة في هذه السنة الانتخابية، يكمن في الحرص على أن تتمتع تونس بأحسن التجهيزات الممكنة –الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية – في حالة تدهور الوضع الإقليمي في محيطها القريب أو البعيد. لهذا السبب منحت أوروبا دعما ماليا – هبات و مشاريع تعاون – قدره 300 مليون يورو سنويا من 2016 إلى 2020. وهذا هائل. تعتبر تونس أهم بلد مساند في العالم من قبل الأوروبيين. ويأتي طرح اتفاق التبادل الحر المطروح على التفاوض في هذا الإطار. «وأوضح برغاميني أن ذلك له تأثير على تطور الأنموذج الديمقراطي و أن المهم في الديمقراطية هو توزيع الثروات بصورة تساعد ثراء الطبقات الوسطى التي تساعد على تقليص الفوارق الاجتماعية. وختم قوله بالتساؤل حول التغييرات الأساسية الضرورية في مرحلة الانتقال الديمقراطي وهي تشمل العادات و المواقع المحصنة والمهيمنة على الاقتصاد: «لا أحد يرغب في التغيير، لكن عكس التغيير هو الانحطاط». الخطاب الأوروبي المعلن اليوم كان في الأشهر الماضية محل نقاشات داخلية، خلف الستار، على المستوى الدبلوماسي و السياسي. اليوم، مع قرب الاستحقاقات الانتخابية تعلن أوروبا على الملأ ما تخفيه الطبقة السياسية الحاكمة اليوم في تونس، و ذلك من أجل دفع عجلة التغيير.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا