الدبلوماسية التونسية والملف الليبي: الحلّ سياسي ووحدة ليبيا خط أحمر

تواجه الدبلوماسية التونسية انتقادات حادة بسبب تعاملها مع الملف الليبي وخاصة بعد التطورات الأمنية الأخيرة، انتقادات

تصدر عن سياسيين وزعماء أحزاب و«خبراء» تلتقي في وصف الموقف التونسي من الملف الليبي بأنه «بارد» ،«ضبابي» و«متردد». رغم ان الكلمات المفتاحية في الموقف التونسي واضحة وتكشف عن تموقع اختارته تونس وظلت محافظة عليه طوال سنوات الازمة الليبية.

يوم أمس استقبل رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، بقصر قرطاج، فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا. وفق ما كشفته الصفحة الرسمية للرئاسة على موقع التواصل الاجتماعي.

لقاء قالت الرئاسة انه تطرق إلى مستجدات الأوضاع على الساحة الليبية والجهود المبذولة إقليميا ودوليا لوقف الاقتتال وإنهاء العمليات العسكرية نظرا لتداعياتها الخطيرة على الشعب الليبي وعلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفسح المجال للحوار لاستئناف العملية السياسية بين مختلف الأطراف الليبية برعاية الأمم المتحدة بما يحقن دماء الليبيين ويحفظ وحدة ليبيا واستقرارها.

وأكّد رئيس الجمهورية، وفق بلاغ صادر عن الرئاسة، وقوف تونس إلى جانب الشعب الليبي وذكّر بموقفها الداعي إلى ضرورة الخروج من هذه الأزمة في أسرع الأوقات وتجنيب البلاد مزيدا من الخسائر والمعاناة من خلال الإنهاء الفوري للاقتتال بين أبناء الشعب الواحد والتزام جميع الأطراف بالتهدئة وضبط النفس وتغليب المصلحة العليا للوطن.

واختتم البيان بالتشديد على أنّ الحلّ في ليبيا يجب أن يكون حلاّ سياسيا وبيد الليبيين أنفسهم تحت مظلّة الأمم المتحدة وبعيدا عن أي تدخل خارجي، مبرزا أنّ تونس ليس لديها أيّة أجندة في ليبيا سوى عودة الوئام والأمن والاستقرار إلى ربوعها حيث أنّه لا مصلحة لتونس إلاّ في أن تستعيد ليبيا عافيتها وتسترجع مكانتها الطبيعية وتحافظ على وحدتها.

هذا الموقف ليس بالجديد انما تكرار لمواقف سابقة باتت من ثوابت الدبلوماسية التونسية تجاه الملف الليبي. بلاغ الرئاسة أعاد التذكير بثوابتها عبر كلمات مفتاحية كشفت عن قراءة تونس للوضع الليبي، منذ 2015. هذه الكلمات تتمثل في «إنهاء الاقتتال» و«الحوار» و«العملية السياسية» و«وحدة ليبيا» و«رعاية الأمم المتحدة»و«الابتعاد عن التدخلات الخارجية».كما تكشف البيانات ان مصلحة تونس وفق القراءات الرسمية للازمة الليبية تتمثل في استقرار ليبيا وحفاظها على وحدتها الترابية».

هذه الكلمات المفتاحية تكشف ان الموقف التونسي بني على إدراك لحقائق الأرض وموازين القوى والرهانات السياسية لدى كل الفاعلين في الملف الليبي، سواء المحلي او الإقليمي او الدولي. وهو ما تبينه التحركات الدبلوماسية خاصة مع انطلاق حملة المشير خليفة حفتر على طرابس منذ افريل الفارط.

جهود دبلوماسية قادها رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، ووزير الخارجية خميّس الجهيناوي، من بينها الاتصال بطرفي الصراع الليبي، حكومة الوفاق وقوات حفتر، افريل الفارط وقد وجهت الدبلوماسية التونسية دعوة صريحة للاحتكام للحل السياسي تحت مظلة الأمم المتحدة.

مظلة تبحث تونس عن توفيرها لحل الازمة الليبية، وهي من ثوابت دبلوماسيتها التي عبر عنها خميس الجهيناوي، الذي يقود هذا الحراك الدبلوماسي، سواء في لقاء مع نظيرته السويدية مارغوت فالستروم، او في اللقاء الثنائي مع وزير الشؤون الخارجية الجزائري، صبري بوقادوم، الذي قام بأول زيارة خارجية له منذ تسلمه لمهامه إلى تونس، لبحث التطورات الخطيرة الراهنة في ليبيا، والمساعي الجارية من قبل الأمم المتحدة ودول الجوار لوقف الاقتتال بين الأطراف الليبية وحثها على الجلوس إلى طاولة المباحثات»، وفق بيان الخارجية التونسية.

ولم تقتصر الجهود عند هذا، اذ شملت الخارجية الفرنسية حيث اجرى الجهيناوي اتصالا هاتفيا مع نظيره الفرنسي، جان إيف لودريان، طالبه فيه بضرورة الوقف الفوري للمواجهات العسكرية الدائرة حاليا في ليبيا، وإفساح المجال لاستئناف المسار السياسي تحت رعاية الأمم المتحدة لانهاء المرحلة الانتقالية من خلال انتخابات عامة قبل نهاية 2019.

هذه الجهود وان فشلت في تحقيق أهدافها، إلا أنها تكشف عن رؤية واضحة، وان حملت نقائص، هذه الرؤية تنطلق من ان الصراع في ليبيا ليس شأنا ليبيا بحتا بل هو صراع بين قوى دولية عبر ممثلين لها اقليميين ومحليين.

هذا الصراع ترى تونس انه لن يحسم بالحل العسكري، فكل طرف من القوى الخارجية سيحرص على استمرار الصدام العسكري لتوفير شروط تفاوض مناسبة له وهذا سيؤبد الأزمة الليبية، أي إننا أمام حتمية حل شامل لا يقتصر على الليبيين أنفسهم.حل تراه تونس قد يكون ضد مصلحتها، وهي تعمل على أن تضمنها ولكن بضمان عناصر أساسية في الحل.

أول هذه العناصر وحدة التراب الليبي، التي باتت محل تهديد في ظل تسريبات عن «صفقات» بين القوى الكبرى بمقتضاها يقع تقسيم ليبيا الى ثلاث دول، وهذا الشرط هو حجر الأساس في الموقف التونسي الذي يتناغم مع الموقف الجزائري. ثاني العناصر أن يشمل الحل كافة الفرقاء الليبيين عبر طاولة الحوار دون تدخل مباشر من القوى الإقليمية، وهنا القصد هي الدول العربية الداعمة لحفتر والتي ترغب في استئصال الإسلام السياسي وتياراته في ليبيا او الداعمة للفصائل الإسلامية.

هذان العنصران هما من الثوابت في الدبلوماسية التونسية تجاه الملف الليبي، فمنذ 2015 تتحرك الدبلوماسية التونسية بهدف ضمان ان أي حل للازمة الليبية لابد أن يراعي وحدة التراب الليبي واستقراره، الحيلولة دون ان تصبح ليبيا قاعدة أو منصة لقوى إقليمية، وأخيرا حل سياسي ياخذ بعين الاعتبار مصالح دول الجوار ولا يكون على حسابها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية