على خلفية تخصيص جلسة عامة لمناقشة الإضراب العام: فوضى عارمة وتراشق بالتهم وأبشع النعوت

لم تكن الجلسة العامة المنعقدة يوم أمس بمجلس نواب الشعب عادية بالمرة، إذ شهدت خلافات حادت بلغت حد التراشق

بالتهم والتشابك بالأيدي في علاقة بمناقشة تداعيات الإضراب العام المقرر من قبل الاتحاد العام التونسي للشغل. وبالرغم من ذلك، إلا أن الكتل البرلمانية قدمت موقفها من الإضراب مباشرة بعد استكمال المصادقة على مشروع قانون يتعلق بإحداث برنامج الأمان الاجتماعي.

عقد مجلس نواب الشعب يوم أمس جلسة عامة خصصت من أجل مواصلة النظر في مشروع القانون الأساسي المتعلق بإحداث برنامج الأمان الاجتماعي للنهوض بالفئات الفقيرة والفئات محدودة الدخل. جلسة خرجت عن سيرها الطبيعي على إثر التبادل بالتهم والتراشق بأبشع النعوت بلغت حد سب الجلالة بين نواب الجبهة الشعبية وكتلة الائتلاف الوطني، الأمر الذي عطل سير الجلسة الصباحية.

موقف المعارضة من مشروع القانون
قبل الانطلاق في مناقشة مشروع القانون حدث مشهد لم يسبق له مثيل في مقر البرلمان، بالرغم من تعدد الخلافات والمعارك سابقا، إلا أن هذه المرة فقد فاقت الأمور المتوقع أو المعهود في مثل هذه الخلافات. الفوضى التي عمت الجلسة الصباحية، تأتي على خلفية تقديم المعارضة موقفها أولا ممّا تضمنه القانون خاصة وأنه تم تأجيله في مناسبة سابقة، مما عطل الجلسة من خلال مطالبة نواب المعارضة بنقاط نظام معتبرين أن الجلسة العامة السابقة توقفت في حدود النقاش العام، حيث تم الانطلاق في المصادقة على الفصول، لكن بطلب من ممثلي الكتل المشاركة في الحكومة تم تأجيل الجلسة على خلفية غياب النصاب القانوني.
في المقابل، فإن النصاب حينها حسب رئيس كتلة الجبهة الشعبية أحمد الصديق كان متوفرا، إلا أن النية من التأجيل على خلفية عدم توفر الأصوات الكافية التي ستصوت لفائدة القانون. المعارضة يبدو أنها ترفض مشروع القانون الذي تعتبر أن سيكون لعبة في أيادي السياسيين من أجل التجارة بالعائلات المعوزة، الأمر الذي جعل صف المعارضة لا يشارك في الجلسات التوافقية بخصوص مشروع القانون المذكور.

المطالبة بتغيير جدول الأعمال
وتواصل الخلاف الذي بدا يشتد من مداخلة إلى أخرى، حيث دعا بعض النواب خاصة من قبل الكتلة الديمقراطية الى تعديل جدول أعمال الجلسة وتأجيل مناقشة مشاريع القوانين من أجل مناقشة الوضع العام في البلاد خاصة في ما يتعلق بقرار الاتحاد العام التونسي للشغل تنفيذ الإضراب العام وعقد جلسة حوار مع الحكومة في الغرض. لكن رئيس المجلس محمد الناصر اعتبر أنه سيتم عقد اجتماع مشترك بين رؤساء الكتل ومكتب المجلس للنقاش حول مسالة الإضراب العام المقرر صباح اليوم واتخاذ القرار المناسب في إطار صلاحيات البرلمان. في حين اعتبر نواب كتلة حركة النهضة أن هناك نية من قبل بعض الكتل من أجل تعطيل سير الجلسة العامة وتأجيل مناقشة مشروع القانون، والعمل على تشويه صورة المجلس. من جهته، قال رئيس كتلة الائتلاف الوطني مصطفى بن أحمد أن هناك من يسعى إلى الركوب على الأحداث، خاصة وأن الإضراب لا يزال محل تفاوض بين الحكومة والمنظمة الشغيلة لذلك لا يمكن تعطيل مناقشة مشروع القانون.

فوضى في قاعة الجلسات
وعلى إثر ذلك، قرر الناصر عدم تمكين النواب من نقاط نظام ووقف الجدل الحاصل صلب الجلسة العامة خاصة وان الجلسة الصباحية لم تتقدم في جدول الأعمال، مما أثار حفيظة نواب المعارضة الذين اعتلوا منصة الرئاسة الأمر الذي اعتبره الناصر محاولة للتهجم عليه. الأمور سرعان ما خرجت عن السيطرة وفي سابقة خطيرة تحولت قاعة الجلسات إلى باحة للفوضى وتبادل بالتهم والتراشق بالكلام المنافي للأخلاق، حتى تطورت المسالة إلى التشابك بالأيدي ومحاولة الاعتداء على بعضهم البعض من بين نواب الجبهة الشعبية بالتحديد الجيلاني الهمامي ونزار عمامي، والنائب عن كتلة الائتلاف الوطني وليد الجلاد. وأمام هذه الفوضى، قرر رئيس مجلس نواب الشعب رفع الجلسة العامة إلى حين عودة النظام إلى قاعة الجلسات.

العودة إلى مشروع القانون
وبعد توقف الجلسة العامة لأكثر من ساعة، استـأنف المجلس أعماله بعد الاتفاق على مواصلة مناقشة مشروع قانون الأمان الاجتماعي، على أن يتم تخصيص جزء من الجلسة العامة للنقاش حول الوضع العام في البلاد. وبالعودة إلى مضمون مشروع القانون، فإنه يهدف إلى تنظيم برامج المساعدات الاجتماعية في إطار تشريعي موحد يمكن من تجاوز الفراغ القانوني وتجاوز حالة التشتت على مستوى النصوص الترتيبية المختلفة المنظمة لها حاليا، ويرسي الإطار القانوني الملائم لاستكمال جملة من الإصلاحات الكبرى التي شرعت في انجازها وزارة الشؤون الاجتماعية بانجاز سجل المعطيات حول العائلات الفقيرة ومحدودة الدخل الشاملة للمنتفعين بالمساعدات المالية المباشرة والعلاج المجاني والعلاج بالتعريفة المنخفضة. الجلسة العامة كانت صادقت على الفصل 23 ضمن الأحكام الانتقالية أين توقف في آخر جلسة وهو يتعلق بسريان مفعول القانون، ثم تمت المصادقة على بعض المقترحات الإضافية مقدمة من قبل جهة المبادرة الممثلة في وزارة الشؤون الاجتماعية من بينها إحداث الوكالة الوطنية للإدماج والتنمية والاجتماعية وضبط صلاحياتها ومهامها. وفي الأخير تمت المصادقة على مشروع القانون برمته وذلك بـ 118 نعم 7 احتفاظ و13 رفض.

مناقشة الوضع العام بالبلاد
الجزء الثاني من أشغال الجلسة العامة، تم تخصيصه لمناقشة الوضع العام في البلاد مثلما تم الاتفاق حوله بين رؤساء الكتل ومكتب المجلس. لكن قبل ذلك، تعددت المطالب من قبل نواب كتلتي الجبهة الشعبية وحركة نداء تونس بضرورة استدعاء الوزير المكلف بالعلاقة مع مجلس نواب الشعب إياد الدهماني لمناقشة الوضع في علاقة بالإضراب، حتى أن البعض اعتبر أن منصب الوزير صوري لا غير باعتبار أن الدهماني لم يحضر إلى مقر البرلمان منذ مدة.

ومع هذا انطلق النواب في مداخلاتهم وثمنوا دور الاتحاد العام التونسي للشغل إلا أن التقييم يختلف في العموم، حيث رأى رئيس كتلة الائتلاف الوطني مصطفى بن أحمد أن كتلته تقدر المطالب الشرعية للمنظمة الشغيلة باعتبار أن المقدرة الشرائية شهدت اهتراء غير مسبوق، حيث تتمثل مسؤولية الاتحاد في حماية الموظفين والشغالين. وبين في نفس الوقت أن الاختلاف يكمن بالأساس في تقييم الوضع الاقتصادي في علاقة بالزيادة في الأجور. في حين اعتبر البعض من النواب كالنائب لخضر بالهوشات أن الموضوع أشمل من مساندة الاتحاد من عدمه، حيث يجب مناقشة الوضع العام من بينها معضلة القطاع العام ووضعية العاطلين عن العمل والشغالين أيضا. كما طالب بضرورة المطالبة بالحقوق بالنظر إلى الوضع العام، مع الأخذ بعين الاعتبار الذين لا ينتمون إلى الاتحاد ولهم نفس الحقوق، وأن لا تقتصر الحلول على قطاع معين دون النظر إلى بقية الفئات. من جهة أخرى، حملت كتلة حركة نداء تونس المسؤولية للحكومة مطالبة بإقالتها والعودة إلى وثيقة قرطاج، حيث قال النائب عن كتلة حركة نداء تونس المنجي الحرباوي أن المشكل يكمن في الحكومة والتسيير إذ هي لا تصغي إلى أحد مما تسبب في قرار الإضراب العام مقابل ارتفاع نسب التضخم والعجز التجاري والمديونية والفقر والبطالة. وبين أن عديد المواد الأساسية مفقودة من السوق كالزيت والسميد، إلى جانب معاناة الجهات الداخلية دون تنفيذ مطالبهم مقابل طغيان الحسابات السياسية. موقف كتلة نداء تونس جاء متشابها مع موقف كتلة الجبهة الشعبية، حيث قال النائب الجيلاني الهمامي أن الأزمة شملت كافة القطاعات كالتعليم الثانوي والعالي، حتى ان الجميع بدا يتذمر باعتبار أن الحكومة لم توف بتعهداتها، مشيرا إلى أن الاحتجاجات بلغت كافة مناطق البلاد. كما بين أن سياسة الحوار الاجتماعي تراجعت منذ مدة، الأمر الذي يستوجب ضرورة على مجلس نواب الشعب التدخل ومطالبة الحكومة بوقف النزيف حتى لا يتطور فشلها أكثر من ذلك. من جهته، اعتبر النائب عن الكتلة الديمقراطية رضا الدلاعي أن من واجب البرلمان التدخل لدى الحكومة من أجل إيجاد حل بينها وبين الاتحاد حتى يتم الوصول إلى اتفاق وتفادي الإضراب. وحمل الدلاعي الحكومة المسؤولية كاملة باعتبار أن الاتحاد قدم مقترحات مفيدة تدفع إلى حلحلة الأزمة، مشيرا إلى أنه يجب تغيير السياسات في التعامل مع القضايا الحارقة في البلاد.
وتواصلت الجلسة على امتداد اليوم من أجل مناقشة الوضع العام بين مختلف النواب، بعد تعديل جدول الأعمال لتتم المصادقة على مشروع قانون الميزانية الأسبوع القادم، وعلى إثر ذلك غادر أغلب نواب الشعب الجلسة العامة ليقتصر الحضور على 21 نائبا فقط حسب منظمة بوصلة.

حول مشروع البنايات المتداعية للسقوط
من جهة أخرى، عقدت لجنة الصناعة والطاقة والثروات الطبيعية والبنية الأساسية والبيئة اجتماعا من أجل مواصلة مناقشة فصول مشروع القانون المتعلق بالبنايات المتداعية للسقوط بحضور إطارات من وزارة التجهيز والإسكان والتهيئة الترابية. وتمكنت اللجنة من المصادقة على 12 فصلا من جملة 41 خلال الجلسة الصباحية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية