الثلاثاء لقاء مع الرئيس...الخميس توافق مبدئي في المجلس على Isie: هل هو تقارب جديد بين الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي ؟

في المشهد السياسي الراهن طغى الصراع المحتدم بين كل الأطراف على الصورة، وبذلك تحجب لقطات ثانوية من دونها لا يستقيم الأمر.

من بينها لقطتان، ظاهرهما منفصل لكنهما مترابطتان، الأولى لقاء جمع رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي برئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، والثانية بلاغ مجلس النواب أمس عن وصوله الى توافق بشأن لجنة الانتخابات.
الفعل السياسي يشبه في كثير من جزئياته ومبادئه عدة العاب ذهنية او استراتيجية، منها لعبة البازل Puzzle التي تقوم على ربط قطع صغيرة بعضها للوصول في النهاية لتركيب الصورة الأساسية والتي تتضرر كليا ان فقدت قطعة وحيدة وقد لا يقع الوصول اليها ان وقعت لخبطة في ربط القطع.

هذا التشابه يبرز اكثر في الساحة السياسية التونسية في هذه السنة الانتخابية، اي لو تعاملنا مع كل فعل ورد فعل او مبادرة سياسية على انها قطع ووقع ربطها ببعض لتوصلنا للصورة الاساسية، والصورة التي يسعى جل الفاعلين للوصول اليها، هي صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية والرئاسية هذه السنة.
صورة تتجزأ لتقدم قطعا بدأ بعضها يأخذ جنب بعض، فيوم الثلاثاء الفارط التقى رئيس الجمهورية برئيس حركة النهضة، بطلب من الأخير، وانتهى اللقاء دون ان يعلن عنه رسميا من قبل مؤسسة الرئاسة او النهضة. مما جعل وسائل الإعلام تتسابق لفك الغموض عنه.

لتكشف مصادر متعددة، من الحركة او الرئاسة، عن معطيات تقدمها كوقائع للقاء او تشرح أسبابه ودوافعه. ليؤكد القيادي بحركة النهضة وعضو مجلس النواب عنها، عبد اللطيف المكي أن اللقاء جاء في إطار ضرورة استمرار التعاون وصيانة العلاقات السابقة ، قائلا ان اللقاء لم تصدر عنه اية قرارات. كما ان اللقاء، وفق المكي، لم يكن جهود وساطة بين القصبة وقرطاج، رغم إشارته الى ان النهضة تدفع في اتجاه التوافق بين الجميع، وان العلاقة بين قصر قرطاج والقصبة تشهد توترا.

تقييم عبد اللطيف المكي لأسباب اللقاء وأهدافه، يتقاطع في جزء منها مع تصريح المتحدث باسم الحركة عماد الخميري، الذي شدد على ان اللقاء كان لمناقشة الأوضاع العامة وانه تم دون وساطة داخلية او خارجية . ليشير الى ان حركة بحجم حركته تعقد لقاءات مع الفاعلين، ومن بينهم رئيس الجمهورية الذي تعتبره الحركة احد ابرز ضمانات استمرار مسار الانتقال الديمقراطي.

مقابل هذه الرواية النهضوية، يشدد مصدر من رئاسة الجمهورية على أن اللقاء «حمل أكثر من قدره»، حيث شدد على ان اللقاء كان عاديا والحديث بين الرجلين تطرق إلى ضرورة تهدئة الأوضاع الاجتماعية والسياسية كما ضرورة البحث عن حلول لتجنب إضراب 17 جانفي الجاري، مع الإشارة إلى أن الرئيس لم يغير موقفه من الحركة ونهاية التوافق معها.

النداء والنهضة
هذا الشرح للقاء بين رئيس الجمهورية ورئيس النهضة، تأتي بعده تصريحات لقادة النهضة، منهم المكي، عن تكثيف للقاءات بين نواب النهضة والنداء، وهو ما يعقب عليه أسامة الصغير عضو المكتب السياسي لحركة النهضة والنائب في المجلس عنها، بانه لا يعلم بوجود تكثيف للقاءات، لكنه يشدد على ان الحركة تسعى لتحسين علاقتها بنداء تونس وكل الاحزاب الممثلة في مجلس النواب، وغاية هذه العلاقات استكمال تركيبة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وانتخاب أعضاء المحكمة الدستورية الثلاثة.

هنا يشدد الصغير على ان حركة النهضة تتحرك لتحقيق هدف، وهو حسم ملف هيئة الانتخابات لتجنب تأجيل الانتخابات المزمع عقدها نهاية هذه السنة، كما ان للحركة اولوية وهي تركيز محكمة دستورية، وهذا يجعلها مطالبة بان تبحث عن توافقات وعلاقات جيدة مع كل الكتل في البرلمان، سواء نداء تونس او الجبهة الشعبية. في وقت لاحق من يوم امس، اصدر مجلس نواب الشعب بلاغا، اعلن فيه ان رؤساء الكتل البرلمانية، توصلوا الى اتفاق بينهم على تجديد ثلث اعضاء هيئة الانتخابات قبل المرور الى انتخاب رئيس الهيئة، بعد ان كانت هذه النقطة محل خلاف وجدل منذ السنة البرلمانية الفارطة.

هذا التوافق على اية خطوة هي الاولى، سد الشغور او انتخاب الرئيس، يتضمن ايضا اتفاقا على ان يكون يوم الثلاثاء القادم موعدا لحسم ملف المترشحين المقبولين وفق الاصناف المزمع سد الشغور بها، على ان يقع التوجه للجلسة العامة الانتخابية في اسرع وقت ممكن.

تطور ولد سؤالا عن علاقة لقاء الثلاثاء بين الشيخين والتوافق الحاصل امس، وهو ما يجيب عنه القيادي بحركة النهضة عبد الحميد الجلاصي بانه تأثير غير مباشر، ليذكر ان اللقاءات، سواء لقاء اضلع الحكم الثمانية او لقاء رئيس حركته برئيس الجمهورية، لهما تاثير غير مباشر على تهدئة الاوضاع العامة في البلاد، وذلك بتوجيه هذين اللقائين لرسالة هامة مفادها ان «تحيد الاستحقاقات الوطنية عن التجاذبات السياسية».

البازل
لو تعاملنا مع كل تصريح او معطى او حدث خلال اليومين الفارطين على انها قطع بازل تقودنا الى الصورة الأخيرة، التوافق على استكمال تركيبة الهيئة. فان فهم بقية القطع الناقصة او المتكتم عنها سيتضح، بتفكيك الصورة الى وحدات صغيرة، على قاعدة ان كل وحدة مترابطة مع غيرها.
القيام بهذا سيمكننا من تحديد عدد من قطع البازل، منها ان النهضة تعتبر اجراء الانتخابات في موعدها مسألة حياة او موت، اذ ان الحركة ترى في الانتخابات القادمة موعدا مفصليا في مسارها وحماية امنها، اذ ان اجراء الانتخابات يعني بشكل كلي القطع مع اية امكانية لاقصاء الحركة بل وتثبيتها في المشهد التونسي بشكل نهائي، مهما كنت نتيجتها في الانتخابات. لكن لو حدث ما تخشاه وأجلت الانتخابات الى اجل غير محدد فان عقلها السياسي رسم سيناريو يتمثل في الملاحقات والسجون والاقصاء من الساحة.

فهم هذا الهاجس يسهل لاحقا فهم كيف تتحرك النهضة ووفق اية مقاربة، فالحركة على استعداد لتقديم اية تنازلات او ضمانات مقابل اجراء الانتخابات، وهذه التنازلات يبدو انه وقع التطرق اليها في اللقاء بين الشيخين، مثلما وقع التطرق الى نقطة اخرى مهمة، وهي طبيعة الحكومة التي ستشرف على الانتخابات.
فالنهضة وكل الفاعلين في المشهد يدركون ان الشاهد لن يستمر في منصبه كرئيس للحكومة حتى حلول موعد الانتخابات وانه سيتقدم باستقالته في غضون اسابيع وفي اسوإ الحالات لن يستمر بعد شهر ماي القادم في الحكومة، وهذا يستوجب الاستعداد منذ الان لتحديد ملامح الحكومة الجديدة.
حكومة سيكون لرئيس الجمهورية دور هام وحاسم فيها، فوفق الدستور الرئيس هو من سيختار ويكلف هذه المرة رئيس الحكومة وعلى المجلس التصويت بمنح الثقة او بلا، وهنا تكمن اهمية التوافق او فتح باب النقاش بين الرئيس والاغلبية البرلمانية، التي مثلها على ما يبدو رئيس الحركة في اللقاء الاخير.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا