أجهزة الحكم والدولة في خدمة المشروع السياسي: نقطة الالتقاء بين الشاهد وآل قائد السبسي

في المواجهات الكلامية بين حركة نداء تونس ومشروع الشاهد الجديد، هناك الكثير من الأوصاف والنعوت

والتهم يكيلها كل طرف «لأخيه»، ومن التهم «استعمال اجهزة الدولة لغايات حزبية وانتخابية» و«استغلال صفة الحكم». وكلاهما يأتي الفعل وينكره على «أخيه». في استمرار لثقافة ارتهان الدولة وتوظيفها لصالح الحزب والزعيم.
لم تمر بداية الأسبوع الجاري دون ان نشهد مواجهة جديدة بين يوسف الشاهد وأنصار مشروعه السياسي الجديد من جانب وآل قائد السبسي و«حزبهم» حركة نداء تونس من جانب اخر. والمواجهة كانت بشكل غير مباشر وصريح، تختزل في ثلاث كلمات «القصر ضد القصبة».

هذا الاختزال لمواجهة اليومين الفارطين، ليس القصد منه القول اختزال الصراع بين الشاهد وقائد السبسي الاب، او الصراع بين قصر قرطاج مقر رئيس الجمهورية والقصبة مقر رئيس الحكومة. وانما يقصد هذا الاختزال وصف الاجهزة ومراكز الحكم التي يستند إليها كل طرف لاغواء جمهوره او لتحقيق سياساته الحزبية والانتخابية.
إذا لدينا حدثان، اولهما يتعلق بالمشروع السياسي الجديد. فنهاية الاسبوع الفارط عقد انصار المشروع اجتماعا لهم في ولاية جندوبة بالشمال الغربي للبلاد. قال عنه مصطفى بن أحمد، رئيس كتلة الائتلاف الوطني، انه ناجح، حيث شارك فيه 5 رؤساء بلديات وعدد من المستشارين البلديين واطارات سابقة في نداء تونس.

كما انه اجتماع امتاز بتشنج اقل ممّا كانت عليه اللقاءات السابقة، وفق بن أحمد، الذي شدد على ان المشاركين في اللقاء وضعوا اصابعهم على المشاكل الحقيقية للبلاد او لنداء تونس، حزبهم السابق، باعتبارهم حسموا امرهم وقرروا المضي قدما وتجديد المشروع الاصلي لنداء تونس دون التفويت في الرصيد السياسي السابق، وفق نفس المصدر.
هذا اللقاء الذي ترأسه كل من سليم العزابي، المدير السابق لديوان الرئيس، ومصطفى بن احمد، رئيس كتلة الائتلاف الوطني. وكلاهما قريب من يوسف الشاهد رئيس الحكومة الذي صادف وان اتت زيارته لولاية جندوبة واعلانه عن جملة من القرارات ذات الطابع الاجتماعي، بعد اقل من 24 ساعة عن زيارة محركي مشروعه السياسي.

تزامن يشير بن احمد الى انه غير مبرمج، فالشاهد الذي يصفه رئيس كتلة الائتلاف الوطني بانه في «وسط» الحراك الجديد، الا انه بعيد عنه اليوم، فمسار بناء الحزب الجديد «مستقل نسبيا عن رئيس الحكومة» وفق بن احمد الذي اعتبر هذه الاستقلالية مهمة لينكب الشاهد على عمل حكومته ومعالجة المشاكل الراهنة في البلاد.
لاحقا بعد استكمال هذا العمل، وبناء الحزب فان «الزعامة» ستؤول للشاهد، وهذا محسوم وفق ذات المصدر، لكن الشاهد لن يكون اكبر من الحزب الجديد الذي يقع التأكيد على ان مساره مستقل عن مسار العمل الحكومي. حتى وان وجد وزراء من الحكومة مشاركين في اللقاءات وبناء الحزب.

استقلالية المسارين، يشكك فيها حافظ قائد السبسي، القيادي بحركة نداء تونس ونجل رئيس الجمهورية، تشكيك لا يتعلق بلقاء جندوبة او التزامن بين الزيارتين، زيارة اصحاب المشروع الجديد وزيارة رئيس الحكومة. انما لتتالي مشاركة الوزراء في اللقاءات التي تعقد بالجهات.وزراء يعتبر ان مشاركتهم تجسد تداخل اجهزة الدولة والحزب الجديد، وهنا ذكر ان حزبه حينما عين وزراء للاشراف على جهات في الانتخابات البلدية السابقة ثار ضده الجميع.

ثورة يريد نجل الرئيس ان يستنهضها ضد خصمه يوسف الشاهد، الذي يتهمه باستغلال اجهزة الدولة لمصالح سياسية وانتخابية، لكنه في اجتماع الجهات الخاص بحزبه اتى ما نهى عنه، ليعلن ان النداء حزب في الدولة وليس الحكومة. وهو حزب لديه كتلة برلمانية ورئيس الجمهورية. ليعلن نجل رئيس الدولة انّ اباه «مازال تابع نداء تونس». وفق وقوله.
قول يتقاطع فيه نجل الرئيس مع اشد معارضيه في الحزب، الذي وصف الحزب بانه «حزب الباجي قائد السبسي». ليكشف هنا ان الطرفين المتصارعين، عن وعي ومعرفة يدركان انهما يستعملان اجهزة الدولة، وبالتحديد اجهزة السلطة التنفيذية رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية. ليس فقط في صراعهما المفتوح وانما لاستقطاب انصار وناخبين.

فاليوم رئيس الحكومة ومن ناصره، يستعملون صفة الحكم بشكل مباشر وغير مباشر. لاقناع جزء من التونسيين بمشروعهم السياسي، وما حدث في جندوبة حتى وان نفى الجميع ترابطه، الا أنه دليل عن كيفية استعمال «الحكم» وما يمثله من سلطة معنوية ورمزية للتاثير في الناخبين.
فالشاهد الذي اختار ان يتوجه لولاية الشمال الغربي ليعلن عن جملة من الاجراءات ويوزع مساعدات، كان بمقدوره القيام بذلك من مقر الحكم، لكنه اختار ان يكون على عين المكان لاسباب انتخابية بالاساس. فهو كما في قانون المالية، يختار خطواته اليوم وفق ما تحققه من مكاسب انتخابية لاحقا.

هذا بالنسبة للشاهد وانصاره، اما للنداء فالحزب الذي فقد الحكومة لايزال يتمسك بورقة هامة. رئاسة الجمهورية التي قال عنها حافظ قائد السبسي في تسجيل مسرب « طالما الشايب معنا» فنحن بخير. في اشارة الى ان مؤسسة الرئاسة ستكون في صالح الحزب.

مؤسسة وقع توريطها في الصراع السابق بين نجل الرئيس وخصمه محسن مرزوق، يومها تدخل مدير ديوان الرئيس واتصل بالوزراء والنواب لحشدهم خلف قائد السبسي الابن. اما اليوم فمديرة ديوان الرئيس تجلس في لقاء الجهات الخاص بنداء تونس وتعلن عن موقفها، الذي يعتبره الندائيون موقف الرئيس المؤسس. وهم بهذا يعتبرون ان لديهم الضوء الاخضر لاستعمال المؤسسة واسمها في الصراع، وحشد الانصار والناخبين، في تقاطع مع سلوك خصمهم الشاهد وانصاره.

ثقافة استعمال الدولة وتوظيفها لصالح كيان سياسي لا تعني فقط حجم البنزين الذي اهدر في الطريق، او حجم المساعدات التي قدمت من قبل انصار حزب وهي من خزينة الدولة، او حشد الولاة والمعتمدين لصالح الحزب، بل تشمل استعمال دلالات الحكم ورمزيته في التاثير على الناس.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499