كشفتها العمليات الأمنية خلال سنتين : الجماعات الإرهابية لاتزال تمتلك حاضنة شعبية وشبكات لوجستية

في غمرة الانتشاء بقضاء الأمن التونسي على خلية جلمة امس، سقطت معطيات هامة قدمتها الوزارة

من حسابات التونسيين على ما يبدو، ليقع التغافل عن حقائق مهمة تبين ان النصر في الحرب على الإرهاب لم يتحقق بعد وان هناك حدودا للعمل الأمني تحول دونه والقضاء على ركيزتين أساسيتين للجماعات الإرهابية: شبكات المال والسلاح والاستقطاب، اما الثانية فهي الحاضنة الشعبية.

منذ صباح أمس طغت التصريحات الرسمية سواء للناطق باسم وزارة الداخلية او باسم القطب القضائي لمكافحة الإرهاب، على المشهد الاعلامي التونسي، الجميع يتناقل خبر قضاء قوات الأمن التونسية على خلية إرهابية بمدينة جلمة من ولاية سيدي بوزيد، وذلك بعملية وصفها سفيان الزعق الناطق باسم الداخلية، بالاستباقية وقع الاستعداد لها منذ فترة.
عملية قال سفيان زعق انها أسفرت عن إصابة عون امني على مستوى يده اثر اشتباكات مع مجموعة إرهابية متحصنة بمنزل بأحد أحياء مدينة جلمة، قامت القوات الأمنية المختصة بمداهمته صباح امس، لتنتهي المداهمة بتفجير العنصرين الإرهابيين لنفسيهما.

الرواية التي قدمها سفيان السليطي، المتحدث باسم قطب مكافحة الارهاب لم تكن مختلفة، فقط حملت تفاصيل اضافية، من بينها أن الارهابي عز الدين علوي، احد الانتحاريين، له علاقة مباشرة بعناصر الخلية الأرهابية التي القي القبض عليها منذ فترة بمدينة سيدي بوزيد، وأحيل عناصرها على القطب القضائي لمكافحة الارهاب.
العلوي تصنفه الداخلية والقضاء المختص في جرائم الارهاب، بالعنصر القيادي من المشرفين على «كتيبة التوحيد والجهاد» كما انه كان من العناصر الهامة في كتيبة «جند الخلافة» التابعة لتنظيم داعش الإرهابي المتحصنة بجبال المغيلة منذ 2014.

القطب القضائي لمكافحة الإرهاب والداخلية ايضا يؤكدان ان الوحدات الأمنية حجزت خلال عمليتها رشاشا خفيفا و05 عبوات ناسفة جاهزة للإستعمال عن بعد و03 بنادق صيد مع خراطيش عيار 12 مم و06 هواتف جوالة ومبلغ مالي هام. (انظر مقال فتحية سعادة).

عند هذا الحد ينتهي الخبر ويكتفي الجميع بالانتشاء بالنصر المحقق امس، غافلين عن ان المعطيات المقدمة تكشف عن مخاطر اكبر من النصر المحقق في عملية امس، مخاطر متعددة ابرزها ان الجماعات الارهابية في تونس، لاتزال تمتلك شبكات لوجستية تعمل بكفاءة مما مكنها من الحصول على الاسلحة والمال والعنصر البشري، كما تكشف المعطيات ان الحاضنة الشعبية لاتزال تدعم هذه الجماعات وان بدرجة اقل حدة.

الشبكات اللوجستية
عملية يوم أمس وما حجز اثرها ليست وحدها التي تكشف عن وجود شبكات معقدة تديرها الجماعات الإرهابية لتوفير المال والسلاح والعنصر البشري، فمنذ 2017 نفذت القوات الأمنية عدة مداهمات لمنازل يتحصن بها إرهابيون بأحياء في مدن مختلفة، آخرها رواد، أريانة، سيدي بوزيد، جلمة وغيرها، وحجزوا اثر العمليات ذات المحجوز تقريبا، سلاح ومال.
والسلاح المحجوز وان كان في اغلبه أسلحة خفيفة فانه تضمن مواد متفجرة او عبوات/ احزمة ناسفة جاهزة للاستعمال من قبل عناصر إرهابية مصنفة لدى وزارة الداخلية او أفراد جدد التحقوا بها بعد عمليات استقطاب.
هذه المعطيات تكشف عن محدودية العمل الأمني في معالجة الإرهاب، فرغم ما يتحقق من انتصارات في معارك ضد الإرهاب الا ان النصر ظل مقتصرا على قتل او القبض على عناصر إرهابية ناشطة دون التمكن من القضاء على الشبكات اللوجستية التي من خلالها يتزود الإرهابيون بالمال والسلاح وبدرجة اقل بالأفراد.
محدودية لا تعني تقصير الوحدات الأمنية التونسية، بل تعني ان طبيعتها وطبيعة مهامها تجعلها غير قادرة على تجاوز ما تحقق لحد الان في الحرب على الارهاب، وتجعلها مقيدة لا تستطيع تتبع كافة الشبكات اللوجستية الداعمة للجماعات الارهابية، وباستمرار هذه الشبكات يستمر خطر الارهاب.
خطر يلزم السلطة التونسية تنفيذية –برأسيها – وتشريعية بالبحث عن معالجات اخرى لتتبع هذه الشبكات وتضييق الخناق عليها كخطوة اساسية لتضييق الخناق على الجماعات الارهابية سواء في المدن او الجبال، وان كانت الاخيرة معزولة بفضل المجهود الامني العسكري على الحدود التونسية.

الحاضنة الشعبية
منذ أكثر من خمس سنوات كان الخطاب السياسي يسوق ان الارهاب بات معزولا وان الشارع التونسي اصطف خلف الدولة ضده، لكن الاحداث المتتالية مثلما كشفت ان الشبكات اللوجستية لا تزال تعمل بنسق قوي كشفت ان الحاضنة الشعبية للارهاب موجودة.
حاضنة مكنت عناصر ارهابية خطيرة ومطلوبة من الداخلية من التنقل بيسر بين المدن التونسية. و من الجبال الى المدن بعيدا عن رقابة الامن الذي نشر صور الإرهابيين المطلوبين في اكثر من مناسبة، ومنها صورة عز الدين العلوي الذي استقر مقامه في حي سكني بمدينة جلمة. دون الوقوع في خطأ التعميم، لكن يبدو جليا ان العنصر الارهابي تلقى مساعدة من محيطه. سواء ابناء الحي او اقاربه.

وحال العلوي ليس مختلفا عن حال بقية العناصر الارهابية التي وقع مداهمة المنازل التي تحصنت بها خلال السنتين المنقضيتين، فهم جميعا وجدوا حاضنة شعبية تسترت عليهم بوعي او دونه، وان كان حجم المتعاطفين قد تقلص بدرجة كبيرة عما كان عليه في 2012 الا انه موجود وهذا خطر اخر.
نشوة الانتصار عادة ما تحجب الخطر الكامن في التفاصيل والأسوأ من هذا ان يتكرر الأمر مع كل جولة في الحرب على الارهاب، نصر في معركة ينسى معه الجميع النقائص في الحرب على الإرهاب.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا