يوسف الشاهد و النهضة: منزلة بين منزلتين: التبعية والخصومة

يبدو ان تحديد طبيعة العلاقة بين حركة النهضة ورئيس الحكومة يوسف الشاهد وأنصاره سيكون محل تجاذب سواء

لدى الطرفين او خصومهما، حيث سيصنف كل منهم العلاقة وفق ما يخدم روايته ومصالحه، علاقة تبعية وفق رواية النداء يقابلها تصنيف الشاهد والنهضة علاقتهما بـ«الشراكة»، وفي كلى الروايتين جزء من الحقيقة.
نهاية الأسبوع الفارط هاجم رئيس الحكومة يوسف الشاهد حركة نداء تونس وأمينها العام سليم الرياحي تحت قبة مجلس النواب، هجوم شنه الشاهد على خلفية تصريح الرياحي الذي تضمن اتهاما له بالانقلاب على الشرعية وعلى رئيس الجمهورية.
لكن الشاهد ومن حيث لم يكن يقصد منح حزبه السابق، هبة من فمه، ففي الهجوم على النداء والتغافل عن تصريحات قادة النهضة سواء بشأن التحوير الوزاري واتهامات وزراء بالفساد او بهيمنتهم على الحكومة بشكل غير مباشر. منح الشاهد حركة نداء تونس «اعترافا» بانه على الاقل «متحالف» مع النهضة.

الشاهد وأنصاره: لسنا «بيادق»
تحالف يسوقه قادة نداء تونس على أنه «تبعية»، أي ان الشاهد وأنصار مشروعه السياسي القادم «اتباع» لحركة النهضة التي يعلن النداء منذ أشهر قليلة عن عدائه لها، لعدة أسباب ليس اقلها استعمال النهضة للشاهد لافتكاك الحكم من النداء والانقلاب على شرعية الصندوق. صورة التابع والبيدق بيد النهضة وجدت في تغافل الشاهد عن انتقاد رئيس الحركة راشد الغنوشي والتعليق على تصريحاته، ورقة قوية.

لكن هذه الصورة ينفيها أنصار الشاهد والمقربون منه، بل ويعتبرون انهم يتعرضون لابتزاز سياسي لدفعهم الى التصادم مع النهضة وإرباك المشهد السياسي، قراءة يدافعون عنها ويعكسون الهجوم على النداء الذي يعتبرونه غير أهل لتقديم النصح او انتقادهم، باعتباره هو من تحالف مع النهضة وتسبب في الأزمة السياسية الراهنة التي فرضت الحركة على الجميع.

قراءة تقدم في العلن وفي الكواليس، تشهد بعض الإضافات، اولها ان المشهد السياسي والبرلماني التونسي اليوم يخضع لهيمنة نسبية من قبل حركة النهضة وان على الفاعلين تحديد علاقتهم معها، عداء ام شراكة، والشاهد ومن معه وجدوا ان أفضل السبل لهم لتحقيق أولوياتهم هي الاقتراب من النهضة وليس الصدام معها.

اقتراب يبرر بجملة من الحجج التي يراها أصحابها قوية، حكومة وجدت نفسها في عزلة في ظل التصعيد المتواصل من الاتحاد ضدها، ومحاربة النداء لها وتنصل الأحزاب منها تباعا، في هذه العزلة وجدت نصيرا وحيدا وهو النهضة. فهي ترى ان علاقتها بالنهضة «شراكة» بأهداف محددة، تحقيق الاستقرار الحكومي، ضمان مناخ لاجراء الانتخابات في موعدها.

هدفان يعتبر انصار الشاهد انهما المشترك بينهم وبين النهضة وانهما اولويتان، لهذا فهم يتجنبون الانجراف خلف الشعارات او كما وصفها الشاهد «نفخ في رماد الضجيج السياسي»، واعلان الصدام مع النهضة، لكن في المقابل يشددون على انهم مختلفون عن النهضة وليس «تبعا» لها.
هم اصحاب قرارهم، وقرارهم اليوم تحقيق الاولويات وليس الصدام مع النهضة، التي يشيرون الى انها ستكون خصمهم في الانتخابات. ويرون ان البعض ومنهم الاعلام يريدون «جرهم» باستعمال تصريحات الغنوشي او اي من قادة النهضة الى مربع الصدام. وهذا يعني ان صمت الشاهد عمّا صدر من رئيس النهضة ليس خوفا من الصدام، فالغنوشي وحركته أصدروا بيانات كانت كافية لحفظ ماء وجه حلفائهم.

النهضة: التوافق قائم
منذ تفاقم الازمة صلب نداء تونس، انطلقت النقاشات في النهضة بشأن هوية «الحليف» القادم، فالنهضة التي كانت ترى انه لا يمكنها الحكم بمفردها دون مظلة «تقدمية/دستوري» تحميها اعتبرت ان ازمة النداء انهت الحزب، وهذا الحكم صدر منذ خسارة الحليف لمقعده في الانتخابات الجزئية بألمانيا سنة 2017.
منذ ذلك الحين لم تكن دوائر التفكير في الحركة تبحث الا عن البديل، والبديل برز لها لاحقا في شخص يوسف الشاهد، الذي تراه النهضة «مظلتها» القادمة، مظلة تريد لها ان تكون قوية لكن بحدود تجعلها «طيعة». اي ان النهضة تريد ان تحقق المعادلة، بين مرشح/حزب قوي يتقاسم معها البرلمان، لكن في المقابل تريده ضعيفا من دونها، ليظل حريصا على علاقته بها.

تصور كان في الاشهر السابقة لكنه اليوم شهد تطورا لافتا، فالنهضة التي تريد ان تمكن الشاهد من اخذ انفاسه وبناء مشروعه السياسي، وجدت نفسها في موضع قوة ترغب من الشاهد ان يدركها، اي ان يضعها في حسبانه في تعاطيه مع الحركة.
بعبارات أكثر وضوحا، ترى النهضة انها عصب الحياة السياسية ومن يريد ان يكون جزء من الحكم ويحقق الاستقرار فيه، عليه ان يتحالف معها، والتحالف ليس من موضع قوة بل في افضل الاحوال «الندية» في ظل توافق يمتد لسنوات عشر.
لهذا يتغير تصنيف النهضة لعلاقتها بالشاهد مع تغير الملف، فهو شريك، وحليف وخصم، وبيدق، شريك في الحكم ولكنه غير قادر على ضمانه دون النهضة، حليف في البرلمان من اجل تمرير قوانين، وخصم انتخابي مفترض ان نجح في تقديم نفسه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499