تحقيق: العودة الطوعية للمهاجرين غير النظاميين : انطلاقة جديدة ممكنة؟

أمام العجز عن البقاء في أوروبا بعد وصولها عقب رحلة شاقة عبر البحر أو بعد انتهاء صلاحية التأشيرة السياحية، وبعد مصادقة بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا على رفض كل طلبات اللجوء لمواطني شمال إفريقيا المصنفة آمنة، يقرر بعض التونسيين العودة الطوعية للبلاد وبناء حياتهم من جديد رغم كل التحديات التي ترافق عودتهم. فما هي سبل العودة

الطوعية و كيف تصبح البدايات الجديدة بعد العودة ممكنة وهل من آليات تشجع التونسيين المهاجرين إلى أوروبا بطريقة غير شرعية على الرجوع الطوعي وإيجاد طرق لبعث مشاريع صغيرة او ايجاد فرص عمل تضمن لهم العيش الكريم؟

سافر الشاب شهر الدين بوحافة (33 سنة) أصيل مدينة جرجيس إلى تركيا في سنة 2010 ليعبرها بطريقة غير شرعية إلى أوروبا بمساعدة مهربين. رحلته من اليونان إلى ميلانو الإيطالية ثم إلى فرنسا كانت محفوفة بالمخاطر والصعاب، كمهاجر غير نظامي. بعد سنتين من التنقل بين إيطاليا و فرنسا بوثائق مزوّرة استقر بمدينة مرسيليا الفرنسية أين كون شبكة من العلاقات ووجد شغلا لكن فكرة العودة إلى تونس راودته مرارا. رجوعه إلى تونس في سنة 2015 كانت صدمة في العائلة والمحيط الاجتماعي، فالعودة بعد الوصول إلى أوروبا لم تكن أمرا مألوفا ولا مستساغا اجتماعيا حيث تعبر عن فشل صاحبها في الإستقرار أو العودة بعد سنوات عديدة يقضيها المرء في ‘’الغربة ‘’. عن قرار العودة يقول شهر الدين للمغرب ‘’ توفي أبي لما كنت في فرنسا ولم استطع العودة وقتها كان لذلك أثر كبير على حياتي وإحساسي بضرورة العودة إلى تونس قرب العائلة ، لكن السبب الرئيسي هو أن أوروبا صعبة، وظروف العيش فيها ليست سهلة ‘’ . لكن قرار العودة والتخلي عن حلم البقاء في فرنسا لم يكن سهلا، فمغادرة تونس والعودة إليها دون التفكير في مورد الرزق القادم هو بمثابة المخاطرة الكبيرة. ‘’ قررت بعث مشروع صغير يتمثل في شركة صغيرة لأشغال التجديد والترميم ، و اشتريت كل المعدات من فرنسا قبل الرجوع لضمان انطلاقة سهلة في الميدان’’.

بعد 5 سنوات عاد إذا شهر الدين إلى مدينته جرجيس محملا بأمل بعث مشروع خاص يضمن له مستقبله وموردا للعيش الكريم، لكن البداية كانت متعثرة نظرا لصعوبة إيجاد قروض ومؤسسات تساعده على إطلاق مشروع شخصي. و لم يتمكن شهر الدين بوحافة من التمتع ببرامج عديدة تمنح للعائدين الطوعيين إلى تونس من عدة بلدان أوروبية من منح و تشجيعات مالية لتمويل مشاريع أو مبادرات خاصة بعد العودة مثل برنامج الوكالة الفرنسية للهجرة والاندماج ، الذي يشمل فقط العائدين عن طريق الوكالة نفسها و يقول ‘’ في غياب أي حلول للعائدين الطوعيين، قد يصبح الرجوع إلى أوروبا ملاذا جديدا للشباب ‘’.

و تقدم برامج «المساعدة في العودة الطوعية» المساعدة المتعلقة بالسفر وغيرها من الحوافز المالية مثل حجز تذاكر سفر العودة للمهاجرين الذين يقررون العودة بإرادتهم عن طريق هذه الوكالات و تشارك المنظمة الدولية للهجرة في تسهيل هذه العودة بالاشتراك مع السلطات الوطنية بالتنسيق مع السلطات الوطنية كمكاتب الشغل والتنمية .
يقول قيس منصري المكلف بالمشروع التجريبي العودة والاندماج بالمكتب التونسي للوكالة الفرنسية للهجرة والاندماج أن أكثر من 500 مشروع في هذا الإطار تمت لفائدة تونسيين عادوا بطريقة طوعية عن طريق مكاتب الوكالة في فرنسا،و تحصل أصحابها على مساعدات تقارب الخمسة عشر ألف دينار في شكل معدات أو مواد أولية مع تأطير بالتعاون مع الشركاء المحليين بالجهات وهو ما يسهل تطبيق المشروع ومراقبة تطوراته خطوة بخطوة. و للتمتع بهذا البرنامج ينبغي على الراغبين بالعودة التنسيق مع مكاتب الوكالة في فرنسا و الإتصال بالمكتب التونسي بعد 6 أشهر على الأكثر من تاريخ الرجوع.

الوكالة تتكفل أيضا بتذاكر الرجوع و بعض المستحقات المالية.و يفسر المنصري ‘’ يمكن ايضا للعائدين الطوعيين من بلدان أخرى كإيطاليا، البرتغال،السويد،بولونيا و بلجيكيا في إطار برنامج تشرف فيه كل دولة على برنامج المساعدة على العودة الطوعية الخاص بها ويستثنى من المتمتعين بالبرنامج كل من تم ترحيلهم قسرا فلا برنامج يشملهم إلى الآن’’.
العديد من المهاجرين العالقين في أوروبا ليس لهم تفاصيل أو معلومات كبيرة عن هذه البرامج التي يمكنها أن تسهل لهم ظروف العودة إلى الوطن و محاولة إعادة التأقلم والاندماج عن طريق بعث مشاريع صغرى بدل المصير المجهول الذي يرافق العودة إلى الوطن بعد مغادرته لانعدام موارد الرزق او الآفاق الإجتماعية والإقتصادية.
و يدخل برنامج المساعدة على العودة في إطار إتفاقية امضتها تونس مع فرنسا سنة 2008 ، حيث تتعهد هذه الأخيرة لمرافقة الراغبين في العودة طوعيا إلى تونس ومدهم بمنح بعث مشاريع عن طريق مكاتب التشغيل الموجودة بكل جهات الجمهورية.

فيصل دشيشة هو من الخبراء المحليين الذين رافقوا العشرات من هذه المشاريع التي تم بعثها في إطار المساعدة على العودة والاندماج بصفته رئيسا لجمعية التنمية المستدامة والتعاون الدولي بجرجيس والمنسق العام لمشروع الهجرة والتنمية. وهي من اولى جمعيات المجتمع المدني التي دخلت في شراكة مع الوكالة الفرنسية للهجرة والاندماج في سنة 2011. وتدرس الجمعية بالشراكة مع الوكالة و ممثلين عن الوزارات المعنية ملفات المشاريع و سجلات باعث المشروع و يتم مرافقة المشاريع لمدة سنة كاملة. و يمكن للأفراد غير المهيئين لبعث المشاريع التمتع بمنح إجتماعية و إمكانية إيجاد فرصة عمل بمؤسسة تونسية لمدة سنة كاملة مع دفع تكاليف التدريب المهني و الإعانة الاجتماعية كدفع تكاليف العلاج أو تغطية مصاريف العودة المدرسية.

وعن نجاح المشاريع يقول دشيشة أن جمعيته رافقت أكثر من 270 مشروعا ووصلت نسب نجاحها إلى 90 بالمائة خاصة في صفاقس،قابس،تطاوين،و مدنين وقبلي و غيرها من ولايات الجنوب التونسي. لكن الإشكال يكمن حسب فيصل دشيشة في انعدام المتابعة من قبل السلطات المحلية، ثم إن المبالغ التي يتلقاها العائدون طوعا لا تكفي لبعث مشاريع مستدامة، قادرة على تحقيق حلم الشباب في الاستقرار وضمان مستوى عيش كريم . ويرى دشيشة أن على الدولة أن تدعم مثل هذه المشاريع وان تدخل هياكل الدولة كشركاء في هذه المنظومة المتعلقة بالعودة الطوعية ، فبالإضافة إلى الدعم الذي تقدمه برامج المساعدة على العودة والاندماج على الدولة أن تقدم دعما إضافيا يجعل من المشروع بديلا حقيقيا للمهاجر العائد ويسمح له بخلق مواطن شغل إضافية.

و لكن هذه المشاريع لم تنجح في الوقت الحاضر في إيقاف نزيف الهجرة غير النظامية أو ‘’الحرقة ‘’ حيث يتواصل خروج مراكب التهريب يوميا من مدن ساحلية كجرجيس والمهدية ، و يرى الخبير أن السبب لا يزال تعارض كل التسهيلات التي تقول الحكومات المتعاقبة أنها تقدمها للشباب الراغب في بعث المشاريع وإيجاد فرص خلق المبادرات الإجتماعية مع البيروقراطية وبطء التدابير الإدارية على أرض الواقع وهو ما يجعل فرص نجاح المشاريع ضئيلة جدا و يدعو فيصل دشيشة كل هياكل الدولة و المجتمع المدني إلى معاضدة دور هذه البرامج حتى تكون حقا كفيلة بإعطاء الفرصة للعائدين وغيرهم من الشباب الذين يفكرون في الهجرة غير النظامية لإيجاد وتطوير مشاريع تكفل لهم العيش الكريم والإستقرار الإجتماعي والإقتصادي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا