تجاوزت خسائرها 5 مليار دينار إلى غاية سنة 2015 المؤسسات العمومية على طاولة النقاش.. كل الحلول ممكنة بين التفويت الكلي أو الجزئي أو إعادة الرسملة

• دعم الدولة للمنشآت العمومية قارب 6 مليار دينار سنة 2014 وحجم الأجور تجاوز 3 مليار دينار سنة 2015

سجلت بعض المنشآت العمومية منذ مدة، و خصوصا منذ سنة 2011، نتائج سلبية وبدأت توازناتها المالية تشهد إختلالات من سنة إلى أخرى، كما سجلت الوضعية المالية للبعض منها مزيدا من التدهور وأصبحت مهددّة بالتوقف عن النشاط وهو ما يتضح من خلال ملفّات بعض المؤسسات والمنشآت التي تمّ عرضها على جلسات عمل وزارية متتالية والتي أوصت بتمكينها من الموارد المالية اللازمة سواء مباشرة من الخزينة أو عن طريق توفير ضمان الدولة للحصول على قروض بنكية لتأمين مواصلة نشاطها وذلك في غياب إستراتيجية واضحة المعالم للنهوض بها وتسوية وضعيتها أو التوجّه نحو إقرار إصلاحات هيكلية.
لقد عرفت المؤسسات العمومية في الفترة ما بين 2010 و2015 خسائر تفوق 5 مليار دينار وهو ما يمثل خطرا كبيرا على التوازنات الاقتصادية ونجاعة المرفق العام وتوفير الخدمات العمومية. كما ستؤثر هذه الوضعية تأثيرا مباشرا على مواطن الشغل والموارد البشرية العاملة بهذه المؤسسات وحتى على النظام البنكي والصناديق الاجتماعية.

مستويات قياسية في حجم الزيادة في الأجور
صعوبة وضعية المؤسسات والمنشات العمومية أجبرت حكومة يوسف الشاهد على وضع إستراتيجية متكاملة لإعادة هيكلتها وتطويرها وترشيد الحوكمة، تحصلت «المغرب» على نسخة منها، إستراتيجية متعددة الجوانب وقائمة على 4 محاور رئيسية وهي: الإصلاحات على مستوى الحوكمة العامة والإصلاحات على مستوى الحوكمة الداخلية والإصلاحات على مستوى الموارد البشرية والحوار الاجتماعي ثمّ الإصلاحات على المستوى المالي، ولكن تحسين مردودية هذه المؤسسات والمنشات يتطلب تدخلا على مستوى رأس المال بالنسبة للعديد منها وهو ما يمثل تحديا للحكومة في الوقت الراهن ولاسيما في مسألة إيجاد مصدر لتمويل إعادة الهيكلة.
في تشخيص للوضع المالي العام للمنشات العمومية والبالغ عددها 104 منشأة في موفى سنة 2014 تنشط في 21 قطاع إنتاج وخدمات وتحت إشراف 15 وزارة، فإنها سجلت خلال سنة 2015 تدهورا كبيرا على مستوى مؤشرات نتيجة الاستغلال والنتيجة الصافية والمردودية مقارنة بسنة 2010 ويعود ذلك بالأساس إلى تعطل الإنتاج نتيجة الإضرابات والاعتصامات المتتالية في بعض المنشات المهمة والذي تزامن مع تطور مهم لحجم الأجور، من 2579.9 مليون دينار سنة 2010 إلى 3713.3 مليون دينار سنة 2015 أي بزيادة قدرها 133.4 مليون دينار وبنسبة 43.9 بالمائة، وبلغ معدل الزيادة السنوي في حجم الأجور 7.7 بالمائة خلال الفترة 2010 - 2015 مقابل معدل زيادة سنوية في حجم الأجور بـ6.1 بالمائة خلال الفترة 2006 - 2010، علما وأن نسبة الزيادة في حجم الأجور قد شهدت مستويات قياسية بين سنتي 2010 و2013 تجاوزت بعض الحالات 50 بالمائة على غرار المجمع الكيميائي التونسي بـ80.9 بالمائة زيادات والوكالة الوطنية للتبغ والوقيد بـ66.7 بالمائة وديوان الطيران المدني والمطارات بـ 53.8 بالمائة.

29 منشأة عمومية أموالها الذاتية سلبية
العديد من المنشآت العمومية منذ إحداثها والى اليوم ما انفكت تسجل خسائر متراكمة ولكن على ما يبدو فإن هذه الخسائر قد سجلت مستويات قياسية منذ الثورة إلى اليوم، وحسب آخر الإحصائيات الموجودة فإن 51 منشأة عمومية منذ إحداثها إلى غاية سنة 2010 سجلت خسائر بـ 1881.7 مليون دينار لتصل سنة 2015 إلى 5924.9 مليون دينار، خسائر قابلة للارتفاع في ظلّ غياب إعادة الهيكلة والإصلاحات الهيكلية التي مازالت قيد المناقشة، مع الإشارة إلى أن هذه الخسائر قد سجلت زيادة بـ 4043.2 مليون دينار بين 2010 و2015 أي بنسبة 214.9 بالمائة دون اعتبار الخسائر المتراكمة للصناديق الاجتماعية. هذا وقد تواصل العجز الهيكلي لعدد من المنشات العمومية، 29 منشأة أموالها الذاتية سلبية والتي تتطلب إعادة هيكلتها وصياغة استراتيجيات متكاملة للنهوض بأدائها، وبلغت الأموال الذاتية سنة 2015 للمنشات المذكورة 2730 مليون دينار سلبي مقابل رؤوس أموال بقيمة 447.8 مليون دينار خلال نفس السنة.

وكالة وطنية للتصرف في المساهمات العمومية
الحكومة ستدرس وضعية المؤسسات العمومية حالة بحالة وكل الحلول مطروحة للنقاش بين إعادة الهيكلة أو التفويت الكلي أو الجزئي لاسيما وأن دعم الدولة لها قد بلغ مستويات قياسية خلال سنتي 2013 و2014 على الرغم من محدودية مواردها، حيث بلغت منح الاستغلال والتوازن 5851.5 مليون دينار سنة 2014، وقد تمّ اتخاذ العديد من الإصلاحات في هذا الجانب وعلى مستوى المحاور الأربعة المذكورة آنفا، فعلى مستوى الحوكمة العامة، فإن من بين أبرز الإصلاحات المقترحة النظر في إمكانية إحداث هيكل إداري مركزي موحد أو هيئة إشراف وتنسيق كوكالة وطنية للتصرف في المساهمات العمومية أو هيئة عليا للمنشات العمومية تضمّ على الأقل في مرحلة أولى وحدتي متابعة المنشات برئاسة الحكومة والإدارة العامة للتخصيص وهيئة مراقبي الدولة إلى جانب النظر في إمكانية إلحاق الهيكل الإداري المركزي الموحد بوزارة المالية أو رئاسة الحكومة إضافة إلى تفعيل إلزامية وثيقة عقود الأهداف والبرامج بالنسبة للطرفين المتعاقدين أي الدولة والمؤسسة مع تطوير الشفافية والإفصاح عن المعلومة ونشر الدولة بصفة دورية لمعلومات تأليفية عن المؤسسات العمومية إضافة لتقرير سنوي حول التصرف في هذه المؤسسات.

لجان مختصة
أما بالنسبة للإصلاحات المقترحة على مستوى الحوكمة الداخلية فتتمثل في الفصل بين مهمتي الإشراف والتسيير وذلك لضمان مبدأ التوازن بين الهيكل التنفيذي وهيكل المداولة مع إعطاء الصلاحيات الكافية لمجالس الإدارة في اتخاذ القرارات دون الرجوع لهياكل الإشراف وتحميلها مسؤولية ذلك عند الاقتضاء، مع الإشارة إلى أن تحديد تركيبة مجالس الإدارة ومجالس المؤسسة يكون عبر تعيين متصرفين مستقلين على غرار ماهو معمول به بالنسبة للبنوك العمومية. هذا وتستوجب الحوكمة الرشيدة إنشاء هياكل جديدة لذا يجب على مجالس الإدارة أن تحدث لجان مختصة، التدقيق والتأجير والإستراتيجية والمخاطر..، كما يجب أن تنشر المؤسسة بصفة دورية معلومات تأليفية إضافية لتقرير سنوي حول التصرف.
وفيما يتعلق بالإصلاحات المقترحة على مستوى الموارد البشرية والحوار الاجتماعي فيمكن تلخيصها في اعتماد إستراتيجية للتكوين داخل المؤسسات والمنشات العمومية مع وضع آليات للمراقبة والتقييم ووضع قواعد واضحة لمحاربة الفساد صلبها وإحداث نظام قانوني بسمح باستقطاب الكفاءات المشهود لها بالكفاءة بما في ذلك كفاءات القطاع الخاص.

صندوق وطني للاسترجاع
المحور الأهم هو الإصلاحات المقترحة على المستوى المالي، وتتمثل في تقديم مخطط عمل استراتيجي من قبل المؤسسات العمومية التي تنشط في المجال التنافسي وإعداد خطة تمويل من أجل تحقيق التوازنات في أجل أقصاه 2018 من قبل المؤسسات العمومية مع ربط الدعم المالي بمفهوم المرفق العام وإرساء مبدأ التعويل على الذات بحيث يصبح الالتجاء إلى الدعم استثنائيا والتأكيد على مبدأ التدخل من أعلى الموازنة. ومن بين الإصلاحات أيضا إحداث إطار للتمويل تحت تسمية صندوق وطني للاسترجاع يشجع على إرساء الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال التمويل ويساعد على رسملة المؤسسات العمومية والتخفيف من المساهمة المباشرة للدولة في تمويل عمليات هيكلة المؤسسات العمومية الناشطة في القطاع التنافسي ويمكن تقدير مبلغ الصندوق بنحو 1000 مليون دينار (من قبل الخواص، 50 بالمائة، والدولة عن طريق صندوق الودائع والأمانات، 50 بالمائة). أما بالنسبة لهيكلة المؤسسات العمومية الناشطة في مجالات المرفق العمومي والقطاع الاحتكاري فهي من مشمولات الدولة على أن تقترح المؤسسة العمومية برنامجا للتطوير الاستراتيجي قابلا للتنفيذ ويبقى أعلى الموازنة من مشمولات الدولة فقط مع الإبقاء على إمكانية الدعم المباشر مع ضرورة ضبط برنامج تتم المصادقة عليه مسبقا ويتضمن أهدافا محددة مع بيان تأثيراتها الاجتماعية والبيئية.

إعادة رسملة المنشات العمومية
من الإصلاحات المقترحة ايضا النظر في إمكانية بعث صندوق إعادة رسملة المنشات العمومية الناشطة في قطاعات غير تنافسية والتي تؤمن مرافق عمومية حيوية يمول عن طريق التصرف في مساهمات الدولة أو الميزانية إلى جانب إنشاء صندوق وطني أو صناديق جهوية للتأثير الايجابي لتمويل برامج ذات أبعاد اجتماعية وتضامنية بالاشتراك مع المؤسسات العمومية في إطار المسؤولية الاجتماعية بهدف إدماج المؤسسة في محيطها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا