في انتظار ما ستسفر عنه التوافقات بخصوص تنقيح القانون الانتخابي: انقسامات وخلافات بين نواب الشعب حول مسألة الترفيع في نسبة العتبة من عدمه

لم تتمكن الجلسة العامة المنعقدة يوم أمس بمجلس نواب الشعب من المصادقة على تنقيحات القانون الانتخابية، نتيجة

الانقسامات والخلافات بين الكتل البرلمانية حول مسألة الترفيع في نسبة العتبة من عدمه. الخلافات تستوجب بطبيعة الحال جلسات توافقية من أجل إيجاد حل يرضي الجميع أو محاولة إجبار الجميع للجوء إلى التصويت الذي سيكون الفيصل.

انطلقت الجلسة العامة بمناقشة مشروع قانون أساسي ومقترح قانون أساسي عدد 19/2018 يتعلقان بتنقيح القانون عدد 16 لسنة 2014 المنقح والمتمم بالقانون عدد 07 لسنة 2017 والمتعلق بالانتخابات والاستفتاء المتعلق بتنقيح وإتمام القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المؤرخ في 26 ماي 2014 المتعلق بالانتخابات والاستفتاء. مناقشة تنقيح القانون الانتخابي، تأتي وسط انتقاد لاذع من قبل أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني الذين يرفضون كافة التنقيحات خاصة في حدود الفصل المتعلق بالترفيع في العتبة، الذي اعتبروه يستهدف أحزابا صغرى ومتوسطة.

إصلاحات ضرورية
النقاش العام تطرق مباشرة إلى صلب الموضوع أي العتبة بين مؤيد ورافض، حيث قالت النائبة عن كتلة حركة النهضة كلثوم بدر الدين أن موضوع العتبة في حدود 5 % ليس موضوعا جديدا، باعتبار أنه تم طرحه فيما سبق لكنه لم يحظ بالقبول نظرا لمرحلة الانتقال الديمقراطي التي مرت بها. وطالبت النائبة بضرورة اعتماد نفس النسبة أيضا في مسألة التمويل العمومي ضمانا لجدية القائمات المترشحة وترشيد التصرف في المال العام. تدخل النائبة عن حركة النهضة، جعل النائب عن كتلة الولاء للوطن عدنان الحاجي يؤكد على أن المسار الديمقراطي لم يكتمل بعد مما يطرح عديد التساؤلات حول أسباب الترفيع في العتبة، موضحا أنه لا يمكن تعليق فشل سياسات الحكومة على القانون الانتخابي عموما.

نواب كتلة حركة النهضة بدوا متشبثين بتمرير مقترح الترفيع في العتبة من 3 % إلى 5 %، مفندين في ذلك تصريحات المعارضة بأنها تؤدي إلى الاستبداد أو التغوّل حسب ما صرح به النائبان أسامة الصغير والصحبي عتيق، وإنما اعتبروه مجرد إصلاح طفيف في القانون الانتخابي، ولا يمكن أيضا اعتبارها عتبة إقصائية بل هي عتبة عقلانية لأنها تطبّق على مستوى الدائرة الانتخابية

الكتل المشاركة في الحكومة، دافعت بشدة عن مقترح الترفيع في العتبة تجنبا لتشتت الأصوات، حيث قالت النائبة عن كتلة الائتلاف الوطني هاجر بالشيخ أحمد أن المشهد السياسي يعيش تشتتا وانقساما رهيبا حيث يجب إيجاد أغلبية في الانتخابات باعتبار أن العديد من القوانين سقطت في المجلس جرّاء غياب الأغلبية، في وقت كانت فيه البلاد في حاجة إلى إصلاحات.

ضد الترفيع في نسبة العتبة
الشق الثاني المتمثل في نواب المعارضة، انتقدوا بشدة الترفيع في العتبة قبل أقل من سنة من تنظيم الانتخابات التشريعية، حيث قال النائب عن كتلة الجبهة الشعبية طارق البراق أن مشروع القانون المعروض يعتبر مقترحا خطيرا للغاية خاصة قبل أشهر من تاريخ الانتخابات، الأمر الذي يؤكد وجود رغبة وحرص كبيرا على إقصاء أطراف معيّنة من المشهد السياسي. مداخلات نواب المعارضة بدت متيقنة بأن الترفيع في نسبة العتبة لم يمر نتيجة الانقسامات بين الآراء وغياب التوافق بين مختلف الكتل البرلمانية، فقد أوضح النائب عن الكتلة الديمقراطية عماد الدائمي أن المجلس بصدد إضاعة وقت المجموعة الوطنية بنقاش قانون لن يمرّ، مشيرا إلى أن بعض الكتل لن تصوت لتنقيح القانون الانتخابي ليس لإيمانهم بالتعددية ولكن لأنهم غير واثقين في شعبيّتهم عند التونسيين.

حول اقصاء التجمعيين من عدمه
مشروع القانون المعروض من الممكن حصره في 3 نقاط أساسية، أولها الترفيع في عتبة تمويل الانتخابات التشريعية من 3 إلى 5 % وإقرار عتبة بـ 5 % في نتائج الانتخابات وعودة المسؤولين المناشدين في عهد النظام السابق إلى تركيبة مكاتب الاقتراع، إلا أن أغلب التدخلات لم تتطرق سوى إلى مسألة العتبة فقط، باستثناء نواب الكتلة الحرة لمشروع تونس الذين دافعوا على مقترحهم المتعلق بعدم اقصاء التجمعيين من المشاركة في مكاتب الاقتراع. وقال رئيس الكتلة حسونة الناصفي أنه من المؤسف أن تتقدم الحكومة بتنقيح للقانون الإنتخابي دون أن تقوم بأي إستشارة أو حوار شامل، مشيرا أنه لا يمكن اليوم إقصاء أي مواطن من ممارسة حقه بالمشاركة في المسار الانتخابي، أو تمييز شخص على حساب الآخر. وسانده في ذلك النائب عن كتلة حركة نداء تونس حسن العماري الذي قال أن 80 % من البرامج التي تنفّذ إلى اليوم كلها برامج التجمعيّين والدساترة الشرفاء على حد تعبيره.

الحكومة تدافع عن مبدإ الترفيع في العتبة
من جهة اخرى، فقد دافعت الحكومة بشراسة عن مشروع القانون من خلال مداخلة الوزير المكلف بالعلاقة مع مجلس نواب الشعب إياد الدهماني الذي أكد على أن كافة الدول تراجع القوانين الإنتخابية معتبرا أن الانتقادات والاتهامات الموجهة ضد حكومته بخصوص محاولة التغول غريبة نوعا ما خاصة وأن المشروع تم إيداعه منذ أكتوبر 2018 وتمت مناقشته صلب اللجنة المختصة. وأضاف أن الحكومة لم تطرح موضوع تنقيح قانون الإنتخابات كمسألة حيويّة لكنه موضوع طرح في الرأي العام على أن يكون القرار الأخير بيد مجلس نواب الشعب. الدهماني وجه خطابه بالأساس إلى المعارضة قائلا «أتفهّم أن يتحوّل المجلس لمنبر للحملة الإنتخابية ولا أعني بكلامي المعارضة بل حتى الحكومة تدافع عن نفسها من منبر مجلس نواب الشعب»، متطرقا في ذلك إلى مضمون التنقيحات، حيث اعتبر أن الديمقراطية لا تعني الإقصاء خاصة وأن عهد تزوير الإنتخابات قد إنتهى بعدما أخذت تونس طريقا لا رجعة فيه نحو الديمقراطية. كما أكد على وصف موضوع العتبة بالبسيط باعتبارها آلية معمول بها في سائر دول العالم.

التوافقات الضرورية
نهاية النقاش العام بخصوص مشروع القانون الذي يبدو أنه مشروع خلافي بامتياز بين مختلف الكتل البرلمانية، حيث ترفض المعارضة ممثلة في الجبهة الشعبية والديمقراطية والنواب غير المنتمين وبصفة أقل كتلة الولاء للوطن والحرة لمشروع تونس، مقترح الترفيع في العتبة، مقابل مساندة كتل حركة النهضة والائتلاف الوطني وبصفة أقل كتلة حركة نداء تونس. هذه الخلافات تستوجب ضرورة عقد جلسة توافقات بين ممثلي الكتل البرلمانية ومكتب لجنة النظام الداخلي والحصانة والقوانين البرلمانية والقوانين الإنتخابية، وأيضا جهة المبادرة لمحاولة التوافق بخصوص الترفيع في نسبة العتبة من عدمه، مع إمكانية التحاق كتلة الحرة لمشروع تونس بالمساندين لبمدأ الترفيع مقابل التصويت لفائدة مقترحها المتمثل في عدم إقصاء التجمعيين من المشاركة في مكاتب الاقتراع والفرز. وفي انتظار ما ستسفر عنه جلسة التوافقات، وتحديد موعد الجلسة العامة، تبقى السيناريوهات والاحتمالات مفتوحة، سواء من خلال إقرار عتبة 5 % في حالة وجود توافقات كبيرة أو محاولة التقليص فيها إلى 4 %، وأيضا الابقاء على النسبة الحالية المتمثلة في 3 %.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا