بعد مصادقة مجلس نواب الشعب على إحداث لجنة تحقيق حول فيضانات ولاية نابل: لجان التحقيق البرلمانية بين المصادقة وعدم الفاعلية وغياب الجدية

مع انطلاق السنة النيابية الخامسة وفي انتظار الإعلان عن تركيبة اللجان القارة والخاصة، يبقى السؤال المطروح حول مدى فاعلية

لجان التحقيق في ظل غياب أي نتائج عن أعمالها إلى حد الآن، بالتزامن مع إحداث لجنة تحقيق جديدة حول فيضانات ولاية نابل. غياب النجاعة في أشغال لجان التحقيق تستوجب ضرورة إعادة تمرير مشروع القانون الخاص بها حسب نواب الشعب، حتى لا تبقى مجرد مادة للتناول الإعلامي لا غير.

بعد مصادقة مجلس نواب الشعب مؤخرا على إحداث لجنة تحقيق برلمانية حول الفيضانات التي جدّت في ولاية نابل والتي تسببت في خسائر بشرية و مادية، وهي اللجنة عدد أربعة بعد تكوين عدد من اللجان سابقا وهي كل من لجنة التحقيق حول موضوع الفساد المالي والتهرب الضريبي الذي تم الكشف عنه في ما يسمى اوراق بنما، لجنة التحقيق حول شبكات التجنيد التي تورطت في تسفير الشباب التونسي إلى مناطق القتال، لجنة التحقيق بخصوص تصنيف تونس ملاذا ضريبيا.

حصيلة أشغال لجان التحقيق
لكن في المقابل، فإن السؤال المطروح حول مدى فاعلية هذه اللجان على أرض الواقع إذ يبدو أن أعمالها لم ترتق إلى حد مستوى التحقيق أو الخروج بالنتائج بل تقتصر على عقد جلسات استماع فقط، حتى أن البعض منها لم يعقد إلى اليوم أي اجتماع. لجنة التحقيق بخصوص تصنيف تونس ملاذا ضريبيا التي عقدت 4 اجتماعات فقط منذ تركيزها اقتصرت أشغالها على الاستماع إلى كل من وزير الشؤون الخارجية يوم 24 ماي، ووزير المالية يوم 17 ماي، في حين ان الاجتماعين المتبقيين اقتصرا على تنصيب أعضاء اللجنة ووضع جدول أعمال. وتعتبر لجنة التحقيق حول شبكات التجنيد التي تورطت في تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر القتال، من أولى لجان التحقيق، حيث عقدت 14 اجتماعا منذ تنصيبها في شهر مارس 2017، أغلبها خصصت لوضع جدول أعمال وبعض جلسات الاستماع وإجراء زيارة إلى سوريا. لكن في المقابل، فإن لجنة التحقيق حول موضوع الفساد المالي والتهرب الضريبي لم تعقد إلى حد الآن أي اجتماع منذ المصادقة عليها في أفريل سنة 2016.

دور لجان التحقيق البرلمانية بمجلس نواب الشعب بالرغم من أهمية المواضيع المطروحة عليها، خصوصا وأنها تندرج ضمن الوظيفة الرقابية للبرلمان المنصوص عليها في الدستور والنظام الداخلي، تهدف بالأساس إلى التقصي والبحث وجمع المعلومات والاجتماعات من أجل تقديم نتائج أعمالها، واقتراحات تهدف إلى تفادي الاخلالات المسجلة أمام مجلس نواب الشعب في اقرب الاجال.

غياب النص القانوني
لكن المهم ليس إحداث لجنة التحقيق بل نتائج أعمالها والتوصيات التي يتضمنها تقريرها النهائي، التي يبدو أنها لم تقدم إلى حد اليوم نتائج تذكر، فحسب النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب في فصله 97 «يمكن لمجلس نواب الشعب وبطلب من ربع الاعضاء على الاقل إحداث لجان تحقيق.ويصادق المجلس على إحداثها بأغلبية أعضائه الحاضرين على أن لا يقل عدد الموافقين عن الثلث». وحسب الفصل 99 « لا يجوز تشكيل لجان تحقيق في الأشهر التسعة الأخيرة من المدة النيابية». والفصل 100» تعد كل لجنة تحقيق عند اختتام أعمالها تقريرا ترفعه إلى مكتب المجلس الذي يعرضه وجوبا على الجلسة العامة لمناقشته. تنحل هذه اللجان آليا بعد عرض تقريرها على الجلسة العامة ما لم تقرر الجلسة العامة مواصلة لجنة تحقيق لعملها في اتجاه مزيد التدقيق و البحث».

فلسفة النظام الداخلي تبدو واضحة بعدم تركيز لجنة تحقيق في الأشهر التسعة الأخيرة، باعتبارها مدة قصيرة لتقديم تقرير وإتمام أعمالها، وبالنظر إلى التعطيلات التي تشهدها اللجان حاليا فإنه يصعب إتمام أشغالها في ظرف سنة قبل الانتخابات التشريعية القادمة بالتزامن مع وجود حزمة ثقيلة من مشاريع القوانين التي تستوجب المصادقة. في هذا الإطار، تبرز إشكالية غياب الفاعلية التي تميز لجان التحقيق في أغلب البرلمانات الدولية، حيث قال النائب عن كتلة الائتلاف الوطني مروان فلفال لـ»المغرب» أن أسباب تعطيل أشغال لجان التحقيق استغلها البعض بغياب مسألة غياب النص القانوني الخاص بتنظيم اعمال لجان التحقيق البرلمانية لتبرير عدم الانصياع لعملها بالاستناد إلى أنها ليس لها سلطة رقابية وأي سند قانوني وذلك رغم أن مبدأ إحداث لجان التحقيق البرلمانية تضمنه الفصل 59 من الدستور والفصل 97 من النظام الداخلي للمجلس. وذكر فلفال بالعراقيل التي واجهتها لجنة التحقيق البرلمانية في أحداث 9 أفريل 2012، التي أنشئت في المجلس التأسيسي، واتهمت فيها وزارة الداخلية، باستعمال العنف ضد المحتفلين بذكرى 9 أفريل 1938 يوم 9 أفريل 2012، حيث رفضت الوزارة حينها مد النواب بأية تقارير أو الإجابة عن أية أسئلة للاستفسار عن مصدر العنف الذي سلط على المحتجين.

التنصيص على الصلاحيات في مشروع قانون
عديد النواب طالبوا بضرورة تنظيم عمل لجان التحقيق البرلمانية بنص قانوني واضح لكي يضطلع مجلس نواب الشعب بدوره الرقابي الحقيقي، وهو ما تم تقديمه في شكل مشاريع قوانين على أنظار لجنة النظام الداخلي والحصانة والقوانين الانتخابية والقوانين البرلمانية منذ جويلية في شكل مبادرة تشريعية من قبل 11 نائبا حيث تم تمرير على أنظار الجلسة العامة في مناسبتين إلا أنه لم يتم المصادقة عليه وذلك بعدما انطلقت لجنة النظام الداخلي في مناقشة مقترح القانون المتعلق بتنظيم اللجان البرلمانية، ثم وفي مرحلة موالية تعهدت بمقترح القانون المتعلق بلجان التحقيق البرلمانية. واعتبارا إلى التقاطع الموجود بين المقترحين خاصة في ما يتعلق بلجان التحقيق البرلمانية، فقد قرّرت اللجنة مناقشتهما بالتوازي ودمجهما معا. وبالتالي تمّ تقديم نص واحد فقط للجلسة العامة إلا أنه يعاني من عديد الخلافات.

تشكيل لجنة التحقيق في فيضانات نابل، سيتعرض إلى إشكاليات عديدة قد تجعل من أعمالها دون فائدة، وهو ما يستوجب الأخذ بعين الاعتبار التجارب السابقة، وذلك نتيجةغياب القانون المنظم لها والذي يعطي لجان التحقيق صلاحيات أوسع حسب مقترح قانون يتعلق بتنظيم اللجان البرلمانية ومقترح قانون يتعلق بلجان التحقيق البرلمانية، واللذين يهدفان إلى تجاوز الصعوبات العملية التي تواجهها اللجان البرلمانية خصوصا منها لجان التحقيق في الحصول على المعلومات اللازمة من أجل انجاز أعمالها، أو في علاقتها بالمهام الموكولة إليها، وذلك من خلال تمكين اللجان من كافة الصلاحيات من أجل النفاذ إلى المؤسسات وإصدار قرارات نافذة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499