الانطلاق في مناقشة الأبواب الأولى من الميزانية لسنة 2017: ميزانية رئاسة الجمهورية تحظى بنصيب الأسد، ومجلس نواب الشعب الأقل حظا

ناقش مجلس نواب الشعب في أول جلسة عامة مخصصة لمناقشة أبواب الميزانية لسنة 2017، من خلال التطرق إلى كل من ميزانيتي مجلس نواب الشعب ورئاسة الجمهورية. وقد انتقد نواب الشعب انخفاض ميزانية المؤسسة التشريعية، مقارنة بميزانية رئاسة الجمهورية

خصوصا وأنها حسب ما اعتبره نواب الشعب لا تتناسب مع حجم المسؤوليات والتحديات.

انطلق مجلس نواب الشعب يوم أمس في مناقشة أبواب الميزانية، حيث كانت البداية بمناقشة الباب الأول وهي ميزانية المؤسسة التشريعية والمقدرة بـ 29446000 دينار. مناقشة ميزانية مجلس نواب الشعب حولت الحديث من أرقام واعتمادات إلى الحديث عن الآليات الضرورية لتطوير العمل التشريعي وكيفية معالجة المشاكل بعد مرور ثلاث سنوات من انطلاق السلطة التشريعية. نفس الأمر تقريبا حصل في النقاش العام بخصوص ميزانية رئاسة الجمهورية، حيث انحصر النقاش في البحث عن السبل الكفيلة من أجل تطوير الدبلوماسية في مؤسسة رئاسة الجمهورية، بالإضافة إلى مزيد العناية بالهيئات والمراكز التابعة لها.

تحسين أداء العمل
بداية تميز النقاش العام بين نواب الشعب، برفض مبدأ تقليص قيمة الميزانية التي لا تتناسب مع حجم التحديات المطروحة على عمل المؤسسة التشريعية. وقالت النائية فريدة العبيدي أن الميزانية المرصودة للمجلس ضعيفة جدا، مقابل تعدد مهام المجلس حتى أنها لا ترتقي حتى إلى بعض ما تم رصده لبعض الهيئات التي خرجت من صلب المجلس، مشيرة إلى أن هذا الأمر يعطي رسالة على أن المجلس ليس سلطة أولى في البلاد. وفي هذا الإطار طالب نواب الشعب بضرورة التسريع في المصادقة على مشروع القانون المتعلق بالاستقلالية المالية للمجلس. نواب الشعب بدوا غير راضين تماما عن ميزانية المجلس خصوصا وأنها الأقل حظا مقارنة بميزانيات بقية الرئاسات أي رئاستي الحكومة والجمهورية حسب ما أكده النائب شفيق العيادي الذي أضاف بدوره أنه في حالة مقارنة ميزانية المجلس بميزانية الرئاسة والحكومة، نلاحظ أن النظام السياسي الحالي هو نظام رئاسي بإمتياز، حيث من غير المعقول أن يبقى المجلس والذي يمثل السلطة الأصلية رهن قرارات وزارة المالية.

قلة موارد الميزانية يقابلها غياب مقومات العمل في مجلس نواب الشعب، حيث طالبت الجلسة العامة بضرورة توفير الدعم البشري واللوجستي حتى يقوم النائب بعمله على أحسن وجه. وقد تميزت مختلف تدخلات النواب بالمطالبة بضرورة تطوير عمل الإدارة والتي ستعطي القيمة الحقيقية للبرلمان. المشاكل التي يعاني منها مجلس نواب الشعب على المستوى العملي، باتت اليوم من أهم العراقيل التي تعيق عمل النواب وهو ما يستوجب ضرورة إنهاء المصادقة على مشروع قانون الاستقلالية المذكور، بالتزامن مع تنقيح النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب والذي توقف الحديث عنه نتيجة الخلاف بين رئاسة المجلس واللجنة المختصة للنظر في مشروع القانون.

رفض لميزانية المجلس !!
كل هذه العوامل والصعوبات، جعلت النواب غير قادرين على إتمام أعمالهم على أحسن وجه، حيث أوضح نواب الشعب أن ظروف عمل النائب قاسية جدا بين المجالس الجهوية والمجلس، خصوصا وأن بطاقات التنقل المتاحة للنائب لا تساوي شيئا. فالجميع أجمعوا على ضرورة تطوير العمل البرلماني باعتبار أن أساليب العمل مازالت أساليب قديمة، حيث من المفروض أن يتم استعمال أدوات التواصل الحديثة كالبريد الإلكتروني. وقال النائب الصحبي عتيق أن عقلية المؤسسة لم ترتق إلى تكوين الرقابة الفعلية على العمل الحكومي باعتبار أن الآليات الضرورية غير متاحة، موضحا أن الكتل النيابية تفتقر إلى المساعدين البرلمانيين لذلك يجب العمل على تحسين الوضع الحالي للكتل ورصد اعتمادات إضافية لها. في المقابل، تساءل النائب الجيلاني الهمامي عن أسباب تقليص اعتمادات الـتأجير في حين هنالك ترفيع في اعتمادات الكهرباء والغاز مثلا.

رفض نواب الشعب لسحب الميزانية المخصصة للمستشارين قي الكتل خصوصا كتلة الجبهة الشعبية، التي هددت بعدم المصادقة عليها خلال الجلسة العامة، وهو ما جعل رئاسة المجلس تعلق الجلسة من أجل التشاور. وبعد استئناف الجلسة العامة قال رئيس المجلس محمد الناصر إنّ الجميع مستاء من تقليص ميزانية المجلس، مشيرا إلى أنه اتصل برئيس الحكومة ووزير المالية في هذا الخصوص. وقد أكدت وزيرة المالية في رسالة لها أنه سيتم توفير اعتمادات إضافية في بحر السنة على ضوء المصاريف الطارئة. وبين الناصر أن الإشكالية ليست في الاعتمادات وإنما ليس هناك آلية أو إطار قانوني إلى حد الآن من أجل الانتداب، حيث تم تكوين لجنة مشتركة برئاسة النائب أحمد الصديق من أجل انتداب مستشارين على حسب المقاييس.

تطوير السياسة الاتصالية..
الجزء الثاني من تدخلات النواب اقتصر على معالجة السياسة الاتصالية للبرلمان من أجل إرجاع الثقة بين نواب الشعب والمواطنين بالإضافة إلى كيفية إيصال كافة أنشطة المجلس للعموم. وقالت النائبة ليلى الحمروني أنه لابدّ من تغيير الصورة التي تصل إلى المواطن الذي لا يرى إلا الجلسات العامة، مقترحة في ذلك إحداث قناة برلمانية لتبرز كل جوانب العمل البرلماني خصوصا أعمال اللجان القارة والخاصة، حتى أن البعض الآخر اقترح نقل جلسات عمل اللجان على الإنترنت كي يطّلع المواطن على مسار العمل التشريعي. ومن جهتها، قالت النائبة ألفة السكري أنه لا بد من السعي إلى رقمنة كل العمل التشريعي والاستغناء عن الأوراق. لكن في المقابل، وفي تدخل رئيس المجلس نواب الشعب للإجابة عن تساؤلات نواب الشعب وإقناعهم بتوفير الآليات الكفيلة خلال السنة القادمة، تمت المصادقة على ميزانية المجلس بـ117 نعم و17 محتفظ دون رفض.

تطوير الدبلوماسية في رئاسة الجمهورية
الجلسة المسائية خصصت لمناقشة ميزانية رئاسة الجمهورية لسنة 2017، والمقدرة بـ 108.5 مليون دينار، حيث انحصر النقاش العام بين موضوعين أساسيين يتمثل الأول في العلاقات الدبلوماسية لرئاسة الجمهورية، في حين أن الموضوع الثاني يتعلق بالهيئات التابعة لمؤسسة الرئاسة.

العلاقات الدبلوماسية والتي تعتبر من صلاحيات مؤسسة رئاسة الجمهورية بالتنسيق مع وزارة الشؤون الخارجية، لاقت بعض الانتقادات من قبل النواب خصوصا إزاء ما يحصل في ليبيا، حيث قالت النائبة سعاد الزوالي أن ما يحصل في ليبيا له تأثير كبير على تونس، لذلك فإنه يجب اتباع سياسة دبلوماسية ناجعة، مشيرة في نفس الوقت إلى أنّه من غير المعقول أن تتجاهل رئاسة الجمهورية مدى تأثير ما يحدث في ليبيا على تونس.

غياب إستراتيجية واضحة للدبلوماسية التونسية حسب بعض النواب جعل البعض يطالب بضرورة تغيير بعض المناصب وتشريك كافة الأحزاب السياسية في هذه المسائل، كالنائب عبد اللطيف المكي الذي بين بدوره أنه إلى حد الآن ليس هناك سياسة خارجية متحفزة، حيث من الضروري أن يكون الطاقم الرئاسي متكونا من أطياف سياسية متنوعة.

تهميش
وبخصوص الموضوع الثاني والمتعلق بالهيئات التابعة لرئاسة الجمهورية، فقد انتقد نواب الشعب عدم الاهتمام بها على مستوى الاعتمادات المرصودة بالرغم من أهميتها القصوى، وأكدت النائبة هالة عمران في مداخلتها أن هناك ما يقارب 70 % من ميزانية رئاسة الجمهورية مرتبطة بالأمن الرئاسي.

من جهته، اعتبر النائب رياض جعيدان أن الإمكانيات المرصودة للمركز الإستراتيجي للدراسات قليلة جدا، متسائلا في ذلك عن مآل الدراسات بالمعهد الإستراتيجي للدراسات التي تخص القطاعات الحيوية، حيث يجب على المعهد أن يقوم بالرصد الإستراتيجي في الميادين الحساسة. تدعيم المعهد على سبيل المثال يكمن حسب نواب الشعب في الانفتاح على الخبراء و المجتمع المدني من أجل تحديد السياسات الإستراتيجية للبلاد التونسية، على أن يتم التنسيق دوما مع مجلس نواب الشعب.
ومن المنتظر أن تواصل الجلسة العامة أعمالها يوم غد الاثنين من أجل مناقشة ميزانيات كل من رئاسة الحكومة، ووزارة الوظيفة العمومية والحكومة، ثم وزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا