نحو ثورة أخلاقية جديدة: أيها التونسيون اُصبحوا أغنياء!

اليوم لم يعد يشكك أحد في التوقعات التي كان يرددها عدد من الخبراء الاقتصاديين: سنة 2017 ستكون فعلا سنة كل الصعوبات والمخاطر.. وفي الحقيقة نحن نلمس هذه البواكير منذ سنة 2014 بفعل الضغوط المتصاعدة على المالية العمومية والتجاء الدولة التونسية إلى الاقتراض

دون أن ينتج عن ذلك نمو اقتصادي أو تشغيل أو خلق للثروة...

مقابل تصاعد وتيرة المخاطر المالية ومن ثمّة الاقتصادية والاجتماعية لجأت كل الحكومات المتعاقبة إلى نهج سياسة رجل المطافئ: السعي لإطفاء الحريق بعد اندلاعه عوض محاولة استباق أسبابه...

اليوم هنالك إجماع – أو يكاد – على التشخيص ولكن مازالنا غير متفقين على سبل الإنقاذ ومازالت تطغى أحيانا نظرة عقائدية غير براغماتية أو عاطفية غير عقلانية... ومازال بعضنا يعتقد أن الحل الأول والأخير يكمن فقط في أخذ المال من مظانه (أي عند الأغنياء) وتوزيعه على الفقراء في نظرة ملائكية لمشاكل البلاد الاقتصادية والاجتماعية المعقدة...

لن يتأسس مستقبل صلب على الأوهام والعواطف النبيلة أو أحلام دون كيشوت أو روبين هود... فهنالك طريق واحدة لا ثانية لها لخلق الثروة: العمل ولا شيء غير العمل: عمل الفكر والساعد والتخطيط والإنجاز... العمل المضني ذو الجودة العالية والمتواصل في الزمن دون انقطاع... ينبغي بداية أن يقطع كل التونسيين مع عقلية «الدجاجة الذهبية» أو «البقرة الحلوب».. فلكي نوزع الثروة لا بد من خلقها بداية ولنعترف جميعا أن خلقنا للثروة يتراجع يوما بعد آخر...
لا بد أن يسعى كل تونسي إلى كسب الرزق وتنمية ماله من إمكانيات ومتاحات حتى لو شاءت ظروف حياته أن يكون على حافة طريق التنمية اليوم...

لا ولن تنهض البلاد بالبكاء على الماضي وعلى الحظ النحس وبقطع الطرقات وتعطيل الإنتاج وبانتظار معجزة من السماء أو من الدولة... فالسماء لن تمطر ذهبا ولا فضّة والدولة لن توفر العيش الرغد لجميع أبنائها...

بداية الخروج من أزمة البلاد الخانقة هي تغيير جذري في كل العقليات: لنخلق جميعا الثروة بما هو متاح لكل واحد منا... والسعي لخلق الثروة حتى عند من حُرِم من كل عناصرها هو في حد ذاته خلق للثروة واستعداد نفسي لها وانخراط في منظومة النجاح بدل التمسك المزمن بالفشل الشخصي والجماعي..

الاحتجاج علامة حياة ولكن أن يسجن المرء نفسه في دائرة الاحتجاج الأبدي فذلك مخرّب للذات ومهدر للطاقات ومانع من استغلال فرص الحياة وقاتل للإرادة.. وما نقوله ليس خطاب نخبة تعيش في برجها العاجي ولا تحس بآلام شعبها.. بل هو خطاب يندرج في تجربة كل واحد فينا: النجاح موجود عند كل فرد بالقوة مهما كانت وضعية انطلاقه... يكفي فقط أن يعي بهذا وأن يجد منظومات تعينه على تحقيق أهدافه وحلمه وذلك هو واجب الدولة...

إن الثورة التونسية التي حققت ديمقراطية نباهي بها بين الأمم لا بد أن تتحول إلى ثورة ذهنية ونفسية تتأسس على العمل وعلى الطموح للتفوق وإلا ستظل ثورة رثّة تنجذب إلى أسفل بينما تتقدم أمم وشعوب بفضل إرادة جماعية صلبة مازلنا نحن نفتقرها إلى أبعد حدّ..
ومحاربة الفساد تندرج في هذه الثورة الأخلاقية المطلوبة.. فنحن نحارب الفساد لأنه ينتج ثروة غير مشروعة دون عمل شريف.. فاستشراء الفساد هو ضرب لقيمة العمل وضرب لجدواه وضرب لقيمة تكافؤ الفرص وضرب للجهد الشخصي والوطني للخروج من هذه الأزمة الخانقة...

ولهذه الاعتبارات كانت مقاومة الفساد أولوية الأولويات الوطنية ونحن ننتظر خطوات جريئة ومفصلية فيها... فضرب جماعات الفساد والرشوة والمحسوبية هو أكبر درس أخلاقي لإعلاء قيمة العمل في مجتمعنا...
نحن نتفهم غضب الشباب والفئات المهمشة في بلادنا ولكن ينبغي أن نقول لهم خطاب الحقيقة والصراحة: لا وجود لريع في تونس لنتقاسمه لا فسفاط ولا بترول ولا ماء ولا غير ذلك.. المنجم الوحيد الذي يمكنه إنقاذ البلاد لو تقاسمنا ثروته هو منجم العمل.. وأن كل طريق آخر لاكتساب شيء من زينة الحياة الدنيا ينبغي أن يُقاوم...

والعمل هو طاقة أولا وقبل كل شيء.. إن نحن.....

اشترك في النسخة الرقمية للمغرب ابتداء من 25 د

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا