في العدل والقضاء: الأولويات المنسية!

الإنطباع الّذي يحصل لمتابع الأولويات الوطنية في وثيقة قرطاج و في استعراض ملامحها على لسان رئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد، أن العدل و أملاك الدولة والشؤون العقّارية ، مجالات غير معنية بمجابهة التحديات الإقتصادية والتنموية الّتي تنتظر البلاد في المرحلة المقبلة.

إذ بإستثناء الإشارة إلى تطبيق القوانين ومقتضيات الدستور و التعجيل بتسوية الأوضاع العقّارية للأراضي الفلاحية، لا نجد أي تركيز على الأولويات العاجلة بخصوص العدل والقضاء و أملاك الدولة في مفهومها الشامل و الاولويات الّتي يقتضيها إصلاح الشؤون العقّارية.
هذا «السهو « يوحي بأن الأحزاب السياسية و المنظمات الوطنية ، لم تع بعد أهمية الإصلاح القضائي و الشؤون العقّارية ، في مجال الإستثمار والتنمية ، و كأن الإصلاحات الهيكلية الّتي تقدم عليها البلاد ، لا تجد أي عوائق في هذا المجال ،و أن إحترام القانون و تطبيقه ، أمر مفروغ منه وأن الآليات و الهياكل المعنية بهذا التطبيق تسير على أحسن ما يرام.

إن الحقيقة غير ذلك ، بل يمكن أن نجزم ، أن عصب إنجاز الأولويات الّتي تمّ الإعلان عنها ، لن تتحرّك قيد أنملة ما لم تقع معالجة عاجلة لشؤون العدل والقضاء و ما لم يقع تحسين إدارة أملاك الدولة وإصلاح إدارة الشؤون العقّارية، لأن هذين المجالين يشكلان الأمن الحقيقي لأي مشروع إقتصادي أو تنموي، و هما مقياسان أساسيان لكسب ثقة الفاعلين في المجال الإقتصادي والمالي عموما .

فشؤون العدل والقضاء التي نتناولها اليوم ، أصبحت حبيسة تصورات تبدو «برّاقة» و «متقدّمة» و لكنها تفتقر لآيات الإصلاح الشامل و للقيم و الأخلاقيات والعقليات الّتي تستوعب المبادئ الجديدة التي تصطدم بالسلوك المتخلّف السّائد .

إن المعنيين بالعدل والقضاء ، سيطر عليهم الهاجس السياسي وإختلطت عليهم سبل التمييز بين السعي لبناء سلطة قضائية مستقلّة في إطار هيكلة دولة عصرية ذات مقوّمات ثابتة ،و تحقيق طموحات آنية لحيازة مكانة في تشكّل النظام السياسي الجديد لضمان إمتيازات قطاعية معنوية و مادية ضيّقة. لذلك غالبت الرغبة في الإستئثار بجانب من السلطات العامّة ، البحث عن سبل وضع سلطة قضائية مستقّلة بالمفهوم القيمي و ليس بالمفهوم الهيكلي، كما يستشّف من المنحى التشريعي الّذي تمّ «التوافق» الخاطئ حوله.

فماذا سيفعل وزير العدل السيد غازي الجريبي في مجال الإصلاح القضائي ، أمام شبه إجماع على تدهور شؤون العدل والقضاء في حل النزاعات وحماية الحقوق والحريات الفردية والعامّة و في الذود عن الدولة ومؤسّساتها وعن علوية القوانين؟
ففضلا عن طول تركيز الهياكل المستحدثة ، حصلت في السنوات الأخيرة «لخبطة تشريعية» إذ تمّ الإبقاء على النصوص و الإجرءات الّتي ثبت عدم جدواها ،و تمّ إستحداث إجراءات جديدة و لو تحت عنوان «مكاسب» و لكن دون الإعداد لها كما ينبغي ، ممّا زاد في تضخم ترسانة القوانين والإجراءات ، وتوسع الإجتهادات في التطبيق و خلق نقاط خلافية و أفعال وردود أفعال في في المجال القضائي ولدى الضابطة العدلية وحتى في أوساط الإدارة القضائية . وخير مثال لذلك الإجراءات الجديدة بخصوص السجل التجاري وما يسبّبه من تعطيل لطالبي الخدمات والمحامين وإجراءات نيابة المشبوه فيهم امام باحث البداية ، وبعث أقطاب قضائية دون الإعداد البشري و اللوجستي وسن قانون المجلس الأعلى للقضاء و إدخال آليات الإنتخاب في ممارسة السلطة القضائية مع السعي إلى ترضية كل الأطراف والخضوع إلى الضغط دون التفكير في الجدوى و في التداعيات الآنية والمستقبلية و إطالة العمل بالمؤقت ...إلخ

ماذا سيفعل السيد غازي الجريبي؟ هل سيواصل القيام بزيارات التفقد لهذا المرفق أو ذاك أمام تزايد التضييق على صلاحيات وزارة العدل وأمام التجاذبات القطاعية الّتي تتوسع التناقضات فيها ،و أمام القراءات والتأويلات المتضاربة للنصوص القانونية ، إلى درجة أن رئيس الجمهورية انتهي إلى التصريح بمناسبة التعرّض إلى الحكم القضائي المتعلّق بحزب التحرير وبيان هذا الأخير التهديدي، بما يفيد التبرّم من بعض أحكام القضاء ؟

ماذا سيفعل وزير العدل إزاء قرار نقل مقرّالمحكمة الإبتدائية بتونس 1 و ما لعملية «النقل» من خطورة على الملفات والمرافق ، وما لتداعيات عدم توفّر متطلبات العمل القضائي الدنيا في المقر الجديد ؟

ماذا سيفعل وزير العدل أمام تعطّل بعض التشريعات وقصور بعضها الآخر في معالجة بعض الوضعيات العالقة في المجال الضريبي و مجال المؤسات الّتي تمر بصعوبات إقتصادية أو تعرّضت لتجاوزات مالية ، وأمام تدعيات المطالبة بتفعيل العفو التشريعي العام ،وربّما مقتضييات إعفاءات تشريعية أخرى قد تتطلبها الأوضاع ،و تدنّي الخدمات و نقص الزاد البشري، و ضعف التخصّص وإنعدام التكوين ،و طول التقاضي وأخطائه ، و عدم إمتلاك آليات محاربة الفساد القضائي؟
ماذا سيفعل وزير العدل أمام إتساع التذمر من القضاء الّذي يجب أن تتوفّر فيه الضمانات الضرورية للمؤسّسات العمومية و لأصحاب الحقوق و رجال الأعمال و دوائر الإستثمار والمال كي يثقوا في سلامة المنظومة الّتي ستكون ملجأهم الأخير عند التعدي عليهم أو عند نشوب النزاعات؟

الأسئلة كثيرة و الإنتظارت ما فتئت تتسّع و أفق الحل صعبة لأن تمشي الخمس سنوات الأخيرة لم يكن سليما و لأن الشعارات «تغوّلت « دون نفاذ النخبة السياسية و نخب رجال القانون إلى الحلول النّاجعة كي تكون السلطة القضائية سلطة متمكّنة من آليات إقامة العدل و فرض احترام دولة و جمهورية القانون و المؤسّسات. ولعّله يكون من أوكد الأولويات لحكومة الشاهد في مجال العدل والقضاء تنظيم أيام دراسية أو ندوة وطنية أو أي شكل تشاوري آخر ،لتناول هذا الموضوع الحسّاس والخروج بتوصيات قابلة للتطبيق العاجل لأولويات تخص دعائم القضاء المساهم في التنمية و الإقتصاد والفاعل في تطبيق القوانين وحماية الحقوق والحريات في نفس الوقت.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا