في انتظار البرنامج الاقتصادي والاجتماعي لحكومة الشاهد..

كشف رئيس الحكومة الجديد في خطاب نيل الثقة أمام مجلس نواب الشعب عن بعض الأرقام المخفية سابقا حول واقع المالية العمومية اليوم وقال حينها بأن الأمور لو بقيت على ما هي عليه لاضطرت الدولة إلى توخي سياسة تقشفية من آثارها تجميد الأجور والانتدابات وكذلك تسريح العمال والموظفين في القطاع العام...

وبغض النظر عن الجدل الذي احتدّ حول هذه الفرضية التي لوّح بها يوسف الشاهد إلا أننا بقينا إلى اليوم ننتظر حزمة الإجراءات والإصلاحات التي تنوي حكومة يوسف الشاهد القيام بها لتجنب هذا السيناريو الكارثي على البلاد...
لا شك أن ملامح هذه السياسة سوف تتضح مع تقديم مشروع ميزانية 2017 لمجلس نواب الشعب ولكن لسنا ندري هل تأخير إعلان نوايا الحكومة شهرا آخر مفيد لوتيرة الإصلاح أم لا؟... خاصة وأن ميزانية السنة القادمة لا يمكن أن تستوعب لوحدها كل التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة الحالية بل هي فقط تطبق ما تراه ممكنا خلال سنة واحدة لا غير...

لقد اختار صاحب القصبة الجديد التوجه مباشرة للشعب، يوم خطاب نيل الثقة، وعبر نوابه لرصد أهم الاختلالات التي تشكو منها المالية العمومية: عجز للميزانية سوف يبلغ هذه السنة 6,5 مليار دينار ونسبة تداين تجاوزت عتبة الخطر (62,1%) وارتفاع مشط لكتلة الأجور (من 13,4 مليار دينار لهذه السنة إلى 15 مليار دينار للسنة القادمة) وانهيار مالي لمنظومة التأمين الاجتماعي...

بعد كل هذا يحق لنا جميعا أن ننتظر منه تصورا دقيقا للإجراءات وللإصلاحات الضرورية في كل هذه المجالات... فنحن لسنا أمام أرقام فقط مهما بلغت خطورتها... نحن أمام مفترق طرق يحتم علينا نهج اختيارات بعينها حتى لا تغرق السفينة بما وبمن حملت...
وما نخشاه هو أن تنتهج الحكومة أسلوبا تقنويا لمعالجة أزمة بمثل هذه الخطورة فتبث حزمة من الإجراءات في ثنايا قانون المالية التكميلي لسنة 2016 وكذلك قانون المالية للسنة القادمة دون أن تشرح لنا فلسفة عملها ومراحل إنجازها...

نتفهم جيّدا أن تأخذ الحكومة الجديدة أسابيع قليلة للتشاور مع أهم أطراف الإنتاج وكذلك لحبك خطة متكاملة للإصلاح ولكن نخشى أن تُنهك منذ البداية في معالجة الملفات الحارقة المتراكمة وكذلك الضغوط «الودية» المسلطة على القصبة من قبل جماعة «وثيقة قرطاج» ومن خارجها أيضا والتي تصور للحكومة الناشئة أن بعض الإصلاحات الجريئة هي بمثابة القفز نحو المجهول وأن أفضل تحرك في السياسة هو ألا نتحرك حتى لا نثير الأمواج العاتية ضدنا...

نحن لا ندعو إلى التهور أو الاستخفاف بموازين القوى الاجتماعية والاقتصادية التي تحكم البلاد ولكن نريد من الحكومة أن تحكم أي أن تقول لنا ما تنوي فعله وأن يؤثر فعلها في الميكانزمات الجامدة والمتهالكة لجل منظوماتنا المالية والاقتصادية والاجتماعية...
نحن نعشق في تونس كلمة «التوافق» إلى أن جعلنا منها نبراسنا الوحيد في السياسة... وإن كان التوافق ضروريا لإنقاذ الوطن من الانقسام – كما كان حالنا سنة 2013 – ومن الأخطار الأمنية الداخلية والخارجية ولكن الوفاق بما هو المشترك الأدنى بين الجميع لا يعني في السياسات الاقتصادية والاجتماعية سوى الجمود لأنه مضطر لمراعاة مصالح متباعدة وأحيانا متناقضة ولا يترك هامشا جديا لإصلاح فعلي...

لنأخذ مثالا بسيطا على ذلك: ما هو الإصلاح الجبائي الوفاقي الوحيد الممكن في تونس اليوم؟ هو الحد من الضرائب على كافة المطالبين بها وعدم فرض ضرائب على أحد وعدم إجبار أية جهة أو مهنة أو قطاع على دفع أكثر مما يدفعه اليوم... إذن يكون «الإصلاح» الجبائي الوفاقي الوحيد هو إفراغ خزينة الدولة من كل مواردها الجبائية...

ولكن الواضح أن كل إجراء (ولا نقول إصلاح) جبائي جدي سوف يقاوم أشد وأعنف مقاومة من الجهة التي تعتبر نفسها مستهدفة به...

يعتقد بعضنا – خطأ – أن أيسر إصلاح جبائي هو فرض ضرائب مخصوصة على القطاع الاقتصادي غير المنظم ولكن في كل مرة سعت الدولة – على حياء – إلى المساس بمصالح بعض شبكات التهريب إلا وانتفضت فئات وجهات في البلاد والنتيجة هي تراجع الدولة إلى مواقعها الخلفية.. بل ورأينا منظمات مهنية وجمعيات مواطنية تطلب من الدولة الرضا بما هو مخالف للقانون في انتظار «قطار التنمية»..

كل هذا يفرض على الحكومة – في نظرنا – مصارحة الشعب بخطتها الإصلاحية وبكل الإجراءات التي تنوي اتخاذها وفق رزنامة زمنية واضحة وعندها تكون الميزانية التكميلية لــ 2016 وقانون المالية لـــ 2017 تطبيقات ميدانية لهذه النظرة الشاملة...
أما لو رمنا غير ذلك وسلكنا نهج من سبقونا في الحكم فالنتيجة ستكون واضحة منذ البداية لأن نفس الأسباب تؤدي دوما لنفس النتائج...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا