حتى نكسب الحرب على الإرهاب: الانتصار النهائي في معركة الجبال...

أكد صاحب القصبة الجديد في مناسبتين اثنتين منذ توليه رئاسة الحكومة أن من أولوياته كسب الحرب على الإرهاب... ومعنى كسب الحرب هنا واضح وجلي إذ نحن لسنا في حرب تقليدية بين جيوش نظامية متكافئة القوة بل نحن في حرب لا متوازية الانتصار فيها لا يكتسي نفس المعنى عند الطرفين..

فكل عملية ينال بها الإرهابيون، ولو بصفة جزئية، من أمننا أو جيشنا أو من زوار البلاد وأهاليها فهم يعتبرون ذلك انتصارا لهم وأما انتصار الدولة في هذه الحرب فهو أكثر بكثير من دحر وتفكيك وقتل عدد من هذه المجموعات الإجرامية... الانتصار بالنسبة للدولة لا يعني إلا قدرتها على المنع النهائي لهذه المجموعات من القيام بما يسمى بعملية نوعية كتلك التي قامت بها مؤخرا في جبل سمامة...

كسب الحرب على الإرهاب لا يعني إلا أمرا واحدا: القضاء النهائي على الإمكانيات القتالية الجماعية للتنظيمات الإرهابية وحصر قدرتها في عمليات معزولة بأفراد قليلي العدد ودون القدرة على التمترس في أي منطقة ما من البلاد...

وضعنا اليوم، رغم النجاحات الأمنية الباهرة على امتداد هذه السنين الأخيرة وخاصة ملحمة بن قردان في مارس الماضي، لا يسمح لنا بعد بإعلان كسب الحرب على الإرهاب وذلك لسبب بسيط وهو تمترس جماعات إرهابية قد يكون عددها ما بين مائة ومائتي فرد في مرتفعاتنا الغربية وخاصة في جبال الشعانبي وسلوم وسمامة والمغيلة وورغة وغيرها... وما لم نقض نهائيا على هذه الجماعات وكذلك على كل إمكانية لإعادة تشكلها في هذه المواقع يكون كسب الحرب على الإرهاب بعيد المنال نسبيا...

لا شك أن الخطر الإرهابي لا يكمن في وجود هذه المجموعات في المرتفعات الغربية فقط فهنالك أيضا الخلايا في مختلف مدننا وكذلك تسرب العناصر الإرهابية عبر حدودنا الشرقية... وقد يكون عدد الإرهابيين الخطرين خارج جبالنا الغربية أكبر وأهم ولكن للقضاء على الوجود الإرهابي في جبال القصرين وجندوبة والكاف أهمية لا تضاهى..

الحرب مسألة معنويات قبل كل شيء.. وبقاء هذه المجموعات متمترسة بهذه المناطق رغم محاصرتها منذ أكثر من ثلاث سنوات وقتل قيادات أساسية فيها وقطع جل شبكات الإمداد والمؤونة يعتبر إلى حد ما كسبا جزئيا لهذه المجموعات الإرهابية...
إذ ورغم الخلافات بين تنظيمي القاعدة وداعش الإرهابيين واللذين يريدان تقاسم مناطق النفوذ في المرتفعات الغربية ولكن وجود هذه المجموعات وإفلاتها إلى حد الآن من القبضة الأمنية والعسكرية يجعلها علامات تثبيت لعدة مئات من الإرهابيين الذين يخططون بدورهم للصعود إلى الجبال مستفيدين من بعض شبكات الإمداد والاتصال التي ما تزال محافظة على قدر معين من الفاعلية رغم تضييق الخناق المستمر عليها...

لكل هذه الاعتبارات يكون كسب حرب الجبال وتطهيرها نهائيا من كل الفلول الإرهابية ومنع محكم ومطلق لكل إمكانية إعادة تشكل لها... إذن مسألة جوهرية في حربنا الشاملة ضد الإرهاب ويمكن أن نقول بعدها بأننا قد قلّصنا من الخطر الإرهابي بدرجات عديدة..
لا شك لدينا في وعي قواتنا العسكرية والأمنية بضرورة حسم نهائي وسريع لحرب الجبال فالمسألة ليست في الخطط العسكرية أو في جاهزية جنودنا وتصميمهم على القضاء على هذه الجماعات الإرهابية... المسألة مازالت متعلقة بنوعية التجهيزات العسكرية التي ما زالت تنقص وحداتنا المقاتلة وخاصة المروحيات الهجوميةالمجهزة بمناظير ليلية وكذلك في فتح أقصى ما يمكن من الطرقات داخل الغابات الجبلية لقطع طرق الإمداد والإسناد.. فبفضل ذلك تتظافر جهود الطائرات والمروحيات والمدرعات وكذلك المشاة...

لقد قيل لنا بأن المروحيات المقاتلة الثماني التي طلبناها من المؤسسات الأمريكية منذ حكومة مهدي جمعة قد تكون جاهزة ميدانيا في أواخر هذه السنة أو على الأقصى في بداية السنة القادمة ولكن يبدو لنا أن الكسب النهائي والسريع لحرب الجبال يتطلب عتادا خاصا أكثر من هذا ومهما بدت لنا كلفته الآنية ثقيلة ماليا ولكن مردوديته الأمنية والاقتصادية أيضا كبيرة للغاية على المدى المتوسط...

فلو حسمنا حرب الجبال خلال سنة 2017 سنكون قد وجهنا للإرهاب ضربة قوية وحاسمة وقطعنا نقاط ارتكازه المادية والمعنوية وبعثرنا استراتيجياته التعبوية وأجبرنا خلايا الإمداد والمؤونة على الظهور في المدن والسهول وهو ما سييسّر على قواتنا الأمنية والعسكرية ضربها ومطاردتها...

كسب الحرب على الإرهاب يبدأ بكسب حرب الجبال...هذا ما ذكرتنا به المجموعة الإرهابية بسمامة من حيث لا تدري.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا