حمادي الجبالي.. علي العريض.. الحبيب الصيد: رؤساء حكومات بعد الثورة في ثقافة التفصي من المسؤولية

كنا نود أن نقول لرئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد شكرا على ما قدمته للبلاد رغم دقة الوضع وصعوبته ولكن الإصرار المرضي الذي أبداه صاحب القصبة المتخلي في الدفاع المستميت عن «إنجازاته» وإنكاره الغريب لضعف الأداء يجعلنا نعدل بمرارة عن إرساء تقاليد جديدة في بلادنا

تؤمن بأن ديمومة الدولة في مؤسساتها لا في من تحمل فيها مسؤولية في يوم من الأيام...
في حفل تسليم وتسلم السلطة خرج الحبيب الصيد عن الأعراف الديمقراطية وأراد أن يجعل منها آخر فرصة «ينتقم» فيها ممن «أقالوه» ساخرا – وهذا ليس من طبعه – من مسار سياسي شاركت فيه تسعة أحزاب وثلاث منظمات ومبشرا بـــ«فتيا» قد تطيح بسلفه كما أطاحت به «المبادرة»...

وكأن خروج الحبيب الصيد من الحكم هو كارثة الكوارث بالنسبة للبلاد وأنه لو بقي خمس سنوات كاملة لخرجت تونس من «عنق الزجاجة» ولالتحقت بــ«ركب التقدم»...
مرة أخرى استعرض الحبيب الصيد بقصر الضيافة في مراسم لم تعد لهذا بطولاته وإنجازاته ولكنه لم يجب عن إخفاقاته الاقتصادية والاجتماعية وهي لبّ الحصيلة التي كنا ننتظر منه – ما دام أراد هذا – دفاعا عنها وتوضيحا لأرقامها الكارثية...
وفي الحقيقة فقد عبّر الحبيب الصيد عن ثقافة عميقة عند التونسيين والتي تعبر عنها عبقريتنا الفذة بـــ«خاطيني».. فالحبيب الصيد «خاطيه» في هشاشة النمو الاقتصادي و«خاطيه» في تزايد البطالة و«خاطيه» في تفاقم المديونية و«خاطيه» في تفشي الرشوة والفساد و«خاطيه» كذلك في الضربات الإرهابية لسنة 2015 و«خاطيه» في العجز الإضافي لميزانية الدولة بحوالي 3 مليار دينار... و«خاطيه» في تواصل أزمة الحوض المنجمي و«خاطيه» في تراجع الدينار... أما النجاحات الأمنية والعسكرية في مقاومة الإرهاب فذلك من صنيعه هو والسلم الاجتماعية النسبية فهو صانعها أيضا وكذلك المجلدات الثلاثة الفاخرة للمخطط الخماسي...

وبالتالي نفهم جيدا لِمَ كانت مبادرة حكومة الوحدة الوطنية «كارثية» لأن بقاء الحبيب الصيد سوف يجعل نصف الكأس الملآنة أكثر امتلاء وسوف يخفف علينا وطأة نصف الكأس الفارغة ما دامت الحكومة بقيادته «خاطيها» ومسؤولة فقط عن «نصف الكأس الملآنة» أما النصف الباقي الفارغ فلنشرب منه جميعا نحن التونسيين فهو وحده الراوي لعطشنا في النمو والشغل والعيش الكريم..

كلمة أخيرة نقولها بكل لطف لرئيس الحكومة المتخلي: لو عنّ له وتحدث مجددا للتونسيين ألا يذكر لنا محاربة الفساد والوزارة التي أنشأها للغرض ودور الدولة في دحر هذه الآفة وكيف قدمت حكومته كل الدعم لهيئة مكافحة الفساد... رجاء لا تعيدوا هذا الكلام ونحوه على مسامعنا في حين أن «الحيتان الكبيرة»، باعترافكم أنتم، لم تنعم بالسلامة والازدهار كما نعمت زمن حكمكم... فإن كنتم عاجزين طيلة سنة ونصف عن تفكيك أية شبكة فساد جدية فالأفضل هنا هو الصمت بدل ثرثرة الساعة الخامسة والعشرين...
لقد سئمنا من ثقافة «خاطيني» ونحن نراها في أبهى حللها على رأس السلطة التنفيذية والحبيب الصيد في هذا المجال متّبع وليس بمبتدع... فقد سبقه فيها حمادي الجبالي وعلي العريض وهما رئيسا الحكومتين اللتين جادت لنا بهما الحركة الإسلامية... فهما يعتقدان – إلى يوم الناس هذا – أن البلاد لم تزدهر إلا في عهديهما وأنهما «قاوما» الإرهاب (نعم لا داعي للضحك) وأن حمادي الجبالي قد حقق أرفع نسبة نمو بعد الثورة (3,9 %) ولكن لا كلمة عن إغراق الوظيفة العمومية بانتداب أكثر من مائة ألف شخص في سنة واحدة (2012) وإن شكك أحدهما أو كلاهما في هذا الرقم فليرجعا إلى الوثيقة التي أصدرها المعهد الوطني للإحصاء في جويلية الفارط حول موظفي الدولة...

صحيح أن حمادي الجبالي قد أقر يوم اغتيال الشهيد شكري بلعيد في 6 فيفري 2013 بأن منظومة الحكم قد فشلت... ولكنه استثنى نفسه من هذا الفشل وأراد أن يرأس هو بنفسه حكومة تكنوقراط لمقاومة الانحراف الخطير الذي حصل في البلاد...
وفلسفة «خاطيني» هذه ولله الحمد موزعة بمقادير عادلة بين كل مؤسسات الحكم وقلّ وندر أن يعترف مسؤول عندنا بفشل سياسته أما أن يتحمل نتيجة هذا الفشل فتلك قارة أخرى لم نلجها بعد..

يعتبر جزء من التونسيين أن مواقف الحبيب الصيد الأخيرة لا تخلو من الجرأة والشجاعة ولكنهم ينسون أن البلاد بحاجة إلى هذه الجرأة والشجاعة زمن القدرة على الفعل أما شجاعة الساعة الخامسة والعشرين... الزمن الذي يترك فيه الجميع السفينة فتلك شجاعة مناسبة لفلسفة «خاطيني» والتي يمكن أن نلخصها بــ«أخطى راسي واضرب»...

فعلا لقد أعطى لنا الحبيب الصيد درسا لا ينبغي علينا نسيانه ما حيينا: شجاعة وقت القدرة هي سمة رجل الدولة أما شجاعة الوقت البديل فنفعها لا يتجاوز النرجسية الضيقة لصاحبها...
وللأسف فتونس ملآى بالنرجسيات الضيقة وهي اليوم تحتاج إلى نساء ورجال يواجهون الصعاب وهم في مقود الفعل ولا يرون حرجا في الاعتراف بالأخطاء وإصلاحها على الفور...
أما من ضعفت عزائمه عن الإصلاح وخارت قواه عن مواجهة الصعاب فلن تنفع نصائحه أحدا...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا