في تمثلات الجسد الأنثوي: المرأة والرياضة

اعتدنا أن تكون المسألة النسائية في قلب الحدث موضوعا يفتح شهية المتنازعين ويحفزهم على عرض مواقفهم في سياق تضيق فيه فسحة الأمل...يتعلّل بعضهم بالدفاع عن الأخلاق وحراسة القيم وحفظ الحدود بين الجنسين بينما يستميت آخرون في سبيل تقويض الصور النمطية والنبش في البنى الذهنية لكشف المستور

ذلك أنّ المسألة ذات وشائج بثنائية الذكورة/الأنوثة ونسق التمثيل. وبعد الجدل حول الحجاب والرياضة وتصنيف النساء على أساس محجبة/غير محجبة ، ومسلمة/كافرة، برز نقاش آخر حول علاقة العري بالهزيمة والأخلاق والوطنية وغيرها من المواضيع. وليس الانكباب على مثل هذه المواضيع إلا علامة على الوقوع تحت أسر المنظومات القديمة وتفضيل اجترار نفس الحجج التي صاغها القدامى بدل العمل على تغيير المقاربات والتصورات ورؤيتنا لذواتنا وللحياة والكون.

أضحت العدّاء حبيبة الغريبي تحت بؤرة التحديق ينظر إليها البعض على أساس أنّها ستسخّر كلّ طاقاتها من أجل تحقيق الانتصارات وجلب الميداليات ورفع راية الوطن لاسيما وأنّ الأولمبياد تزامنت هذه السنة مع الاحتفال بعيد المرأة التونسية. وفي مقابل ‹تحييد› الجسد الأنثوي وتغيير زاوية النظر إليه يصر بعضهم على ضرورة التعامل مع جسد ‹الغريبي› على أساس أنّه الجسد الفتنة الذي انفلت من الرقابة لاجتماعية فمارس العري ومن ثمة وجب تذكيره بعواقب الإفلات من رقابة المجتمع الذكوري الذي يتخفى وراء الأخلاق والدين.فحين يتحرّر الجسد الأنثوي من أحكام الستر في الفضاء العام ويتحول إلى نصّ مرئي يحتل الصدارة في مختلف وسائل الإعلام لابد أن تكون الهزيمة/العقاب الرباني مآله.
وبقطع النظر عن منطق الاحتجاج ووجاهة البراهين المقدمة فإنّ الجدل الذي صاحب مشاركة «الغريبي» في الأولمبياد يدفعنا إلى استنتاج الآتي:

-لم تستطع مشاركة النساء في المجال الرياضي أن تكون حافزا باعثا على الأمل في وقت يشعر فيه التونسيون بالإحباط بل تحوّلت إلى موضوع للتنازع والاستقطاب الذي تسيطر عليه الأيديولوجيات المختلفة : الأيديولوجيا الذكورية ، والأيديولوجيا الدينية وغيرها.

-لازال جسد العدّاءة يُبنى وفق مجموعة من الصور المنمطة والتمثلات الاجتماعية والدينية والرمزية...والتصورات التقليدية للأنوثة التي تحتل الصدارة فتزحزح المهارة والقُدرات والخبرة...نحو الهامش في محاولة للتقليل من شأنها.

-يتيح لنا الجدل حول الستر/العري الانتباه إلى أنّ المجتمع التونسي لا يزال يبحث عن القيم التي يدافع عنها ويعلي من شأنها فهل أنّ الرياضة تحوّلت إلى مجال لتنمية منظومة من القيم كالتنافس النزيه والمثابرة والصبر وتحقيق الانتصارات ...أم أنّ قيم الستر والعار...لا تزال ماثلة في الأذهان تتصدر طريقة التعامل مع الآخر.

-تثبت التعليقات على مشاركة ‹الغريبي› وجود فجوة بين الجنسين. فبينما تمر مساهمات الرجال دون أن تثير جدلا حول ‹عري› الجسد وكأنّ الجسد الذكوري منفصل عن ‹الفتنة› والإغراء ...ترتفع الأصوات لتدين ‹الجسد الأنثوي /العورة وتحاكمه وتعمل على تأثيمه.

-يعد تأطير مشاركة ‹الغريبي› إعلاميا media frames شكلا من أشكال بناء المعنى وتحديد السلطة. فمن خلال تركيز مختلف وسائل الإعلام على تصريحات بعض من يعتبرون أنفسهم حراس الأخلاق والفضيلة يساهم الإعلام عن غير قصد أو عن قصد في تثبيت

مجموعة من الصور النمطية على حساب تحويل وجهة النقاش والدفع به نحو التفكير في أبعاد القيم التي تنميها الرياضة والتي يمكن أن تمثل حلا من بين الحلول المطروحة لمعالجة بعض الظواهر في المجتمع كالانتحار والهجرة السرية والانتماء إلى الجماعات المتشددة...
تعدّ الرياضة نظاما من الممارسات الاجتماعية التي ترتكز على تصورين رمزيين:أولهما أنّ الجسد هو أداة لتحقيق السلطة وثانيهما أنّ البناء الاجتماعي للجسد يقوم على التمييز بين الجنسين. وعلى هذا الأساس فإنّ الجدل حول المشاركة النسائية في الرياضة ظاهره نقاش حول الهيئة في علاقتها بالثقافة وباطنه خوف من امتلاك المرأة آليات الهيمنة ووسائل السلطة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا