تباشير مصاعب وحدة التناقضات؟

كان من المفترض أن يحظى الإعلان عن تشكيلة حكومة الشاهد بتقبّل واسع لدى الأطراف التي انخرطت في المبادرة الرئاسية ولـــدى الرأي العام السياسي والأوساط الإعلامية، باعتبار أن الخلفية التي أسّست عليها هذه الحكومة قدّمت على أنهاحكومة وحدة وطنية و ستكون محلّ التفاف

وطني لإنجاز جملة من الأولويات التي ستساهم في الحد من الأزمة الّتي تعيشها البلاد، وتضع حدّا لوضعية المتفرّج لعدد من الأطراف السياسية والإجتماعية.
ولكن المطلع على مختلف ردود الأفعال الصّادرة حتّى عن الأطراف الّتي شاركت في المشاورات وتحصّلت على حقائب وزارية أو كتابات دولة، كانت مشوبة بالحذر والتردّد والانتقاد ، في حين بدا الرأي العام غير معني بما يجري.
في القراءة الأولية لملامح حكومة الشاهد أشرنا إلى التوجهات العامّة في الخيارات الّتي إنبثقت عن مختلف المشاورات الّتي تمّ الإعلان عنها ، و إلى توسع التركيبة إلى عدد غير منتظر من الوزراء وكتاب الدولة ،و عن التنوع الذي تميّزت به قياسا إلى الحكومة المستقيلة الّتي سبقتها.

ولكن القراءة المتأنية بعد الرجوع إلى تفاصيل التشكيلة والسير الذاتية للأعضاء الجدد للحكومة المكلفة التي ستقدّم لمجلس نواب الشعب لنيل ثقته، أثارت عدّة تساؤلات عن جدوى و صحّة بعض الإختيارات أمام جسامة المهام التي تنتظر حكومة الشاهد، وفرضت التخمين في ما إذا كانت هذه التشكيلة لا تعدو أن تكون في جزء هام منها غير واجهة سياسية، ستحتاج إلىأخرى فاعلة في مجابهة ترسانة التحديات.

هذه التساؤلات تتفاقم عند الاستماع إلى ردود أفعال الأطراف المعنية وغير المعنية ، ونسمع تصريحات عن مشاورات غير مكتملة وتسرعا في الإعلان عن التشكيلة دون مراجعة أخيرة للأطراف المشاركة، وعدم رضاء بهذه الحصّة أو بهذا النصيب أو الوزن ، وقبول مبدئي دون استبعاد تحويرات في المستقبل، بل وصل الأمر للحديث عن تعديل محتمل قبل جلسة يوم الجمعة لمجلس نواب الشعب ودخل البعض في المجادلات القانونية والتأويلات الدستورية، وكأنّ الوضع قادر على احتمال مزيد من الشدّ والتجاذب.

لقد انكشف ما كان يدور في الكواليس وما كان ينتظره المنخرطون في مسار المبادرة الرئاسية وما كان يضمره البعض من تمشيهم، وضيق أفق النخبة السياسية التي بقيت تدور في نفس النطاق، ولا همّ لها غير التموقع و البحث عن تجاوز الآني دون أي بعد استراتيجي يقتضيه تغير أوضاع البلاد.

من هنا يمكن القول أن العمل المستقبلي لحكومة الشاهد لن يكون سهلا، وقد تشهد البلاد طرح تصوّر آخر قد يعيد النظر تماما في النظام البرلماني المشّوه الذي تبيّن أنه لا ينسجم مع العقلية السّائدة ليس في المجتمع فقط، بل لدى النخب السياسية نفسها.
ففكرة الوحدة الوطنية و هي إحياء لتعبيرة قديمة عن الوحدة القومية، نجحت في النظام الرئاسي القديم حيث كان «الزعيم» يرسم و يفكّر بصوت عال في حلقة من الوزراء الحاملين لأفكار وتصورّات وقادرين على الفعل في المجال الذي كلّفوا به، ولا أحد كان يفكّر في الحقيقة في افتكاك المواقع أو التخطيط للخلافة وحيازة كرسي القيادة، إذ أن الحزب الواحد كان هو الوعاء السياسي الوحيد الّذي يستوعب التنافس ولم تبرز الطموحات إلاّ بعد أن هرم الزعيم.

أمّا اليوم فإن هاجس المستقبل يشلّ التفكير في الحاضر، وأصبح كل طرف حبيس تصوره لمستقبل الحكم ، لذلك غاب التفكير السياسي وسادت سياسة المناورات والحسابات الضيّقة والمخاتلات، على مختلف الأصعدة لذلك نشهد في الواقع تفكّكا لأواصر الوحدة الوطنية وتفكّكا حتى لوحدة الأحزاب بسبب الطموح الجامح إلى السلطة والحكم وأصبحنا نجري وراء أنصاف وأرباع حلول، من أجل البقاء في «المركز» وأصبحت رغبة تهدئة المناخ الإجتماعي وتأجيل تنفيذ الأولويات الحقيقية، هي الهدف، بدل أن تكون الوسيلة الكفيلة بتحقيق التغيير العميق.

هذه هي اللوحة الواقعية القاتمة الّتي نراها ترتسم في الحراك السياسي الّذي يتخذ شكل المهاترات العقيمة، بدل ترجمة ما تمّ الإتفاق بشأنه والقبول بخطوطه العامّة، والإعداد لعرض التصورات الحكومية الجديدة لإقناع نواب الشعب ومن ورائهم الرأي العام بجدواها. فهذه الحكومة كالحكومة الّتي سبقتها، فيها من ليس في موقعه وفيها من له مؤهلات بأن يقدّم الأفضل ممّا سبقه، وفيها من يجب التحسّب من خطاه ، ولكن لن تبني هذه الحكومة عملها على عدم، وهناك هياكل قائمة وإدارة تعمل بالكيفية الّتي لا ترضينا ولكنها تدير الدواليب بالموجود، ولا حاجة للبلاد إلاّ لإرادة صادقة ومتحفّزة لتحقيق الممكن ولتجنب مزيد من التقهقهر...على الأقل ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا