مقاربة تفاؤلية لتجاوز الصعوبات

فرضَ الإعلان عن نسبة المشاركة في الإنتخابات التشريعية، قراءة ًجديدة لمواقف الناخبين من مرحلة ما بعد 25 جويلية 2021

و مرحلة الاستفتاء على الدستور  إذ تم إرجاع عزوف الناخبين إلى البطء في معالجة الأوضاع و عدم ترجمة الشعارات بتغييرات ملموسة. و في نفس الوقت تعالت أصوات معارضة لقيس سعيد،لتنسب لنفسها النجاح في التأثير على الرأي العام بجعله يقاطع الإنتخابات معتبرة أن ما لم يكسبه سعيد ،كسبٌ لها ، وهي قراءة افتراضية خاطئة، باعتبار أن عزوف نسبة كبيرة من الناخبين التونسيين لا يعني أنه تعبير عن الاصطفاف وراء المعارضين أو موالاتهم ، أو دعم لرصيدهم الشعبي ، أو رغبة في الرجوع إلى الوراء.
لذلك يكون من الخطأ بناء المواقف المستقبلية استنادا إلى تحليل هؤلاء المعارضين، خاصّة إذا إعتقدوا أن ذلك سيتيح الرجوع إلى ما قبل 25 جويلية 2021. ويقتضي

هذا ، أن تكون المقترحات التي يتواتر تبنيها أو الترويج لها،محفوفة بالحذر، ومتحسبة من مخاطر مزيد تعكير المناخ الإجماعي والسياسي، والسير نحو المجهول.
إن مطالبة رئيس الجمهورية بالتنحي عن السلطة أو الإستقالة، أو الدعوة إلى إقالته، وإلغاء الدستور الحالي والرجوع إلى دستور 2014 ، أو وقف المسار الانتخابي أو الدعوة إلى إنتخابات رئاسية سابقة لأوانها و البلاد تستعد لدورة ثانية للإنتخبات التشريعية، مقترحات لن يقبل بها الرئيس سعيد ، والمناداة بفرضها بتكرار الدعوة إلى إكتساح الشارع و تعطيل العمل في مجابهة للسلطة القائمة ، تهدّد بالفوضى و الإنفلات و العنف وخلق الفراغ، أمام أطراف و قوى متباينة في الأهداف والدوافع و غير حاملة لمشاريع و حلول جاهزة لتغيير الأوضاع بأسلوب ديمقراطي . فضلا على ذلك فإن أصحاب هذه المقترحات لا يقرؤون أي حساب لما ينجم عن هدم الموجود ثم تجديد البحث عن إعادة البناء وما يتطلبه ذلك من وقت وتكاليف و تبعات على الحياة اليومية. وإذا كان هؤلاء غير معوّلين على قوى ذاتية موحّدة ، و معولين على دعم أجنبي أو رعاية خارجية توفّر الإمكانيات، فإن عليهم التفكير في مصالح هؤلاء وأجنداتهم وفي مدى إستعدادهم لإدخال البلاد في مغامرة غير واضحة المعالم في حيّز زمني غير بعيد عن نهاية مدة ولاية السلطة الحالية التي تنتهي سنة 2024 .
إن الديقراطية تعني الاحتكام إلى قواعد وآليات هذا النمط في الحكم و منها الانتخابات التي مكنت سعيد من الصعود إلى هرم السلطة التنفيذية،و هو صعود دعمه بإستفتاء على الدستور الجديد بقطع النظر عن الموقف منه. هذا المعطى يجب أخذه بعين الإعتبار ، كي لا يقع نسـف التجربة التونسية نهائيا والعودة

لاستعمال آلية «فسخ وعاود»

من هذا المنطلق يجب تعميق التفكير قبل عرض أي مبادرة ، دون المقارنة مع ما حصل في فترة «الترويكا» الأولى و تجربة «الرباعي الراعي للحوار «لأن ما حصل في الفترة الانتقالية قبل إنتخابات 2014,زمن رفع شعار «المجلس التأسيسي سيد نفسه» ، لا مجال لمقارنته بما يحصل اليوم من مختلف الأوجه .
إن الظرف الحالي غير ذاك الظرف ،و وضع اليوم غير ذاك الوضع ،مهما كانت قراءتنا السلبية لأوضاع تونس اليوم، أوضاعُ يسلم الجميع بأنها صعبة للغاية ،و توصف بالكارثية ، و لكن لا أحد يمكنه التسليم بأن دعاة امتلاك الحلول لهم القدرة على تحقيق الأفضل ،خاصة أن جلهم كانوا ماسكين بالسلطة أو مشاركين فيها ،و ضالعين في تردي الأوضاع ، دون أن يحققوا النجاح الذي كان يصبو إليه التونسيون للنهوض بالبلاد و توفير متطلبات العيش الكريم والتقدم الإجتماعي.
إذا كان هناك تمسك جاد بالإصلاح، فإن ذلك يكون بتقويض الموجود،و التعويل على المحتمل ،و هو موقف سبق التعبير عنه حتى قبل وضع دستور 2014,و لكن الرغبة الجامحة في الارتقاء إلى دفة الحكم،كانت دائما،وراء إدعاء الدفاع عن مصلحة تونس،التي تفكك بناؤها بشعارات خاوية يعايش الشعب اليوم ويلاتها .

أن المبادرات البناءة هي التي تساهم بصورة فعالة في تجاوز أزمة البلاد في أفضل الآجال بدفع السلطة إلى البحث عن الحلول الناجعة وعلى هذه الأخيرة أن تبتعد عن التفرد بالرأي بعد أن أخفقت في إيجاد حلول عاجلة لإيقاف حالة التردي والعجز، والتحسب من تضاعف المخاطر. كل هذا يمكن أن يكون في إطار مقاربة إيجابية لا تكون بالتهديد والوعيد ، وإنما بقوة الإقتراح من القوى المدنية الحريصة على إخراج البلاد ممّا هي فيه. كذلك بإقناع رئيس الجمهورية بأن الوضع الحالي يجب ألا يستمر و لا بد من إعادة التفكير في أسلوب العمل و في كيفية مواجهة المصاعب و التحديات المنتظرة داخليا و خارجيا بكل حنكة .
لقد كان بالإمكان البحث عن الحلول في إطار هياكل وسيطة كما كان الحال في المجلس الاقتصادي والاجتماعي أو في إطار هيئة التنمية المستدامة و حقوق الأجيال القادمة الّتي نص عليها دستور 2014 دون أن ترى النور و دون أن يضع لها الدستور الجديد بديلا ،و لكن أمام غياب أي هيكل وسيط و في غياب المحكمة الدستورية الّتي كان بالإمكان الرجوع إليها لحسم الخلافات القانونية الدستورية ، لا مناص ، إذا توفرت إرادة البحث عن الحلول ، من استنباط منصة حوار ، توفر إمكانية النظر في وضع حلول عاجلة كفيلة بتجاوز الأزمة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية.
إن مهمّة إرساء منصة حوار مع مختلف قوى الفاعلة من مهام السلطة ، الّتي لا تخفى عليها الصعوبات المالية الّتي تعيشها البلاد ،و تقرأ الخارطة السياسية و تداعيات إنقطاع قنوات الحوار بينها و بين مختلف القوى المؤثرة في المجتمع. فالوضع الإقتصادي صعب في ظرف عالمي صعب و في مناخ يهدّد القطاعات الحيوية في الفلاحة والري بالكوارث ، والاستثمار في تدحرج مستمر ، والجباية محل تذمّر و ذات تداعيات سلبية والأسعار في إرتفاع مضطرد ،والقضاء في حالة يرثى لها بمختلف الملفات المفتوحة، والفساد بتلوّن حسب الأوضاع ، والدبلوماسية الاقتصادية والسياسية ، في نكسة لا مثيل لها ، والدليل على ذلك غياب الدبلوماسية التونسية في عشرات الدول، وحتى الموجودة منها في حيرة معلّقة بين السماء و الأرض.

إن معاينة كل هذه الاوضاع ، تدعو إلى تعديل أسلوب الحكم و طرق المعالجة ، بدعوة كل الراغبين الصادقين في المساهمة في الجهد الوطني للإصلاح ، إلى تقديم المقترحات البناءة لتجاوز كل المصاعب. يجب ألآ نقطع حبل التفاؤل وألاّ نكف عن دعوة السلطة إلى إيجاد أرضية حوار يقع السعي فيها لإيجاد الحلول و وقف التدهور.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا