الانتخابات بين المركز والهامش

استحوذت المحطات الانتخابية السابقة على اهتمام التونسيين /ت فدفعتهم إلى الخروج من السلبية إلى الفاعلية، ومن اللامبالاة إلى الانشغال،

ومن المقاطعة إلى المصالحة بل إنّها حفّزتهم على عرض ذواتهم ونشر صور أصابع غُمّست في الحبر الأزرق فكانت بمثابة دليل الانخراط في مسار اكتساب المواطنة. وفي السياق نفسه تابع المراقبون والمحللون والإعلاميون والأكاديميون وغيرهم المسارات الانتخابية التي صارت في مركز الصدارة، واستطاعت أن تلفت انتباه جمهور لم يكن في العادة، من المتابعيين لأخبار الانتخابات في «بلدان العالم الثالث/الجنوب...» وهكذا أضحت الانتخابات التونسية من التجارب التي تدرّس في جامعات كثيرة لرصد نسب المشاركة وتقاطعها مع الجندر والسن والطبقة والانتماء الثقافي والحزبي وغيرها من المحدّدات، واختبار الفرضيات الخاصّة بآليات بناء مسار ديمقراطي إلى غير ذلك من المحاور.

وفي المقابل لم يواكب الإعلام الغربي والرأي العام العالمي انتخابات 2022 فكانت التغطية الإعلامية العربية ضعيفة بل إنّ أغلب «المحللين» والمثقفين امتنعوا عن تحليل الحدث واكتفى أغلبهم، بالتأمّل في أسباب عزوف التونسيين/ات عن المشاركة في الانتخابات التي كان من المفروض أن تكون «عرسا»، وتصميمهم على تحويل يوم الانتخاب إلى يوم عادي يهتمّ فيه المرء بتحصيل قوته والبحث عن «الحليب والسكر و...» فهذا هو مركز اهتمامه أمّا الانتخابات فتذهب جُفاء...وخلص المحللون إلى أنّ البلد الذي انطلق منه «الربيع العربي» عجز عن المحافظة على الريادة والاستثناء فهوى ووأد الأمل.
تثبت ثنائية المركز/الهامش التحولات الجذرية في تمثّل السياسة والدولة والسياسي وفي علاقة التونسيين/ات بها دون أن نتجاهل البنية النفسية وأثرها في المشاركة الانتخابية. فعندما يصمّم صاحب الإرادة السياسية على أن يكون في المركز ويعمل على «تحييد» الفاعليين، وتجريدهم من حقّ المشاركة في بناء المسار، وتحويل أغلبهم إلى أشباح يصبح الانتخاب بلا معنى. إذ لا أحد ينكر دور الأحزاب في تأطير المنخرطين فيها، وتدريبهم على المحاججة والإقناع والخطابة والمراوغة والمسرحة وغيرها من الاساليب وأداء أدوار متنوعة فضلا عن تمكّنها من خلق ديناميكية وإثارة الجدل وفتح النقاش الذي يسمح للناس بتقييم الفاعلين. ولا أحد ينكر مسؤولية مختلف مكوّنات المجتمع المدني في مرافقة المترشحين/ات وتدريبهم/ن ومساندتهم/ن حتى يحقّقوا/ن أهدافا تضمن المشاركة الفعّالة والمسؤولة. يُضاف إلى ذلك حيوية المجتمع المدني ودوره في التوعية والدعاية وفتح النقاش ... والواقع أنّه لولا مراقبة المجتمع المدني للانتخابات وتمكّنه من كشف المخالفات والانزياحات لما تمكّن الإعلام من نشر الأخبار والضغط و...

لقد اُريد إثبات فرضية «موت الأحزاب» والاستغناء عنها بدعوى أنّها باتت من الماضي وأفلست واُريد أيضا إقناع التونسيين/ات بأنّ النخب السياسية والثقافية ما عادت «تنفع الناس» بل وجب «ترذيلها» و«تصميتها» و»إدانتها» وتجريدها من سلطة التأثير وكانت النتيجة تحويل الشأن السياسي إلى موضوع هامشي و» بارد» وفاقد للأهمية ولا يمكن أن يكون في المركز... وحده كأس العالم القطري الجدير بالمتابعة والتحليل والكتابة ففيه نصيب من المتعة والفتنة والإغراء والدهشة والحبّ والشغف....

لقد عادت النساء الناخبات بإرادتهن ،إلى الهامش قانعات وراضيات فلا معنى لانتخابات لا يؤخذ فيها رأي التونسيات ولا يستمع فيها إلى تصوراتهن وكان الدرس: أن تكون/ي في الهامش لا يعني دائما أن تكون الضحية بل معناه أن تختار موقعك وتتحمّل مسؤوليتك التاريخية. وعاد أغلب الشبان/ات الذين كانوا مؤمنين بالرئيس ومقتنعين بأنّه المخلّص إلى قواعدهم بعد أن اختبروا وعاينوا وصدموا فكان اللجوء إلى الهامش أفضل بالنسبة إليهم.

واليوم بعد أن «وقع الفاس في الراس» واربكت المواقع وتخلخل البنيان فهل بالإمكان أن نقوم بالمراجعات ونقيّم التصورات و«المشروع» والأوامر والآليات ؟ وهل بالإمكان أن نقرّ بأنّه كان طوبايا لا يتلاءم مع واقع معقّد تحكمه إكراهات الداخل والخارج؟ وحده الاعتراف يمكن أن يكون منطلق بناء مسار مختلف. أمّا الاستمرار في الإنكار والتجاهل ورجم الآخرين فإنّه مسلك سيؤدي حتما إلى الخراب .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا