العالـم ... كــرة قــدم

كرة القدم هي الرياضة الجماعية الوحيدة التي تحدث هذا الزخم الهائل من المشاعر والأحاسيس الفردية والجماعية والوطنية.

هنالك سحر خاص في «الكرة» فهي تكاد تكون ديانة كونية مع أساطيرها وأبطالها ومروياتها وطقوسها وجنتها ونارها..سواء أمورست في حي أو في فريق أو في منتخب وسواء أكانت المنافسة محلية أو وطنية أو إقليمية أو دولية ..
بطولة العالم لكرة القدم بمثابة «الحجّ» بما أنها تجمّع لأهم منتخبات العالم وللجماهير الشغوفة من القارات الخمس .
لقد سال حبر كثير حول بطولة العالم في قطر في علاقة بالظروف الحافة بمنح قطر تنظيم هذه الدورة سنة 2010 ثم بوضعية العمال الأجانب وغلبة المال على الثقافة الكروية «وصراع» الثقافات والحضارات ..
لقد شغلت هذه الجوانب – سلبا أو إيجابا – وسائل إعلام عدة وخاصة في بعض العواصم الأوروبية وتكاثرت في شمال الكرة الأرضية بعض دعوات المقاطعة (مقاطعة الفرجة) ولكن منذ يوم الاحد الفارط وبغض النظر عن كل هذا عادت كرة القدم إلى السيطرة من جديد وتراجعت كل هذه المسائل الحافة بالدولة المنظمة وبظروف التنظيم إلى الخلف وتعلقت كل الهمم بالفرجة ابتداء من حفل الافتتاح ثم إلى بدايات الجولة الأولى وفي بلادنا – كما في دول كثيرة – لا صوت يعلو اليوم فوق صوت كرة القدم ..
لا وجود لعلاقة مباشرة بين قوة فريق كرة قدم وبين قوة البلاد التي يمثلها ولكن هنالك دون شك علاقة بين التميز في هذه الرياضة مع التخطيط والإعداد على المديين المتوسط والبعيد ولكن نحن أمام رياضة خاصة جدّا حيث لا يستطيع المال لوحده أو الإرادة السياسية لوحدها خلق فريق كبير إذ لابد من بيئة شعبية حاضنة ومن ثقافة تعلي من شأن كرة القدم ومن تعهد المواهب منذ الصغر وهذا ما يفسر عدم نجاح جلّ الدول الآسيوية الكبرى في هذه الرياضة رغم الإمكانيات والإرادة السياسية والقدرة على التخطيط .. فقد نجحت الصين في جل الرياضيات الفردية لكنها لم تتمكن – إلى حد الآن – من تحويل القوة الاقتصادية الثانية في العالم إلى بلد لهذه «الديانة» الحديثة.

بدا المهرجان إذن والذي ينتظره المليارات من البشر .. بدا بخيبات أمل للبلد المنظم الذي استثمر كثيرا في هذه الدورة وللسينغال بطل إفريقيا ولإيران التي منيت بهزيمة قاسية أمام انقلترا ..
ولكن يوم أمس جاء بأولى المفاجآت السارة وهي الفوز التاريخي للمملكة العربية السعودية على الأرجنتين ثم دقت كل قلوب التونسيين مع انطلاقة المقابلة الأولى لمنتخبنا مع الدانمارك أحد الفرق صعبة المراس والأكثر تنظيما واندفاعا بدنيا ..
لقد قدم الفريق الوطني إحدى أفضل مبارياته في السنين الأخيرة وكان قاب قوسين أو أدنى من أول انتصار له على فريق أوروبي في كأس العالم ..
نحن في مجموعة صعبة للغاية مع فرنسا واستراليا لكن ما أظهرناه في هذه الجولة يجعل من حلم المرور إلى ثمن النهائي إمكانية قوية للغاية ..
إنها فرصة فريدة حتى نضع جميعا كل صراعاتنا وخلافاتنا وأزماتنا الداخلية بين قوسين صغيرين خلال هذه الأيام القادمة ..
الكرة أقوى من كل شيء .. فهي القادرة على فرض استراحة على الجميع.. استراحة عجز الحكام على تأمين حدّها الأدنى.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا