تونس السعيدة بخزعبلاتها الفريدة

يحكى أن ملكا أراد أن يمازح رعيته. فرصد ابنته ونصف ملكه لمن يكذبه كذبة لا يستطيع الملك أن يزيد عليها. تقدّم ثلاثة رجال.

فلمّا أذن لأولهم، وكان مروض ثعابين، قال إنه يستطيع تحريك النجوم بإشارة من عصاه. فأجاب الملك أنه لا يدّعي ترويض النجوم، لأنه ليس مروضا. ولكنه لا يرى حاجة لترويضها بما أنها خاضعة له أصلا. وأمارة ذلك أن الشمس تسمح له بأن يشعل سجائره من حميمها. فولّى المروّض خائبا.
تقدّم الثاني، وكان لاهثا، قال: «أعتذر يا سيّدي، فإني قد كنت لتوّي أجهد لترقيع ما أصاب السماء من ثقب بسبب عاصفة الأمس». سأل الملك: «أخيّاط أنت»؟ أجاب الرجل أن نعم. فأردف الملك: «شكرا على جهدك في الترقيع. ولكنني كنت أنتظر من خياطتك أن تجعل سماء المملكة معصومة من العواصف. والوقاية خير من العلاج». فهم الخيّاط أنه خسر. تقدّم المتنافس الثالث وهو يدفع برميلا هائلا، وقال: «اليوم موعد سداد ثمن الذهب الذي كنت قد أقرضته جلالة الملك في العام الماضي». صاح الملك: «ويحك! عن أيّ ذهب تتكلم»؟ فأجاب الرجل: «لقد خسر الملك التحدّي». فأجاب الملك: «بل أنت من خسرت رأسك أيّها الكذّاب».

إن الكلام سهل ما دام ليس ثمة واقع يردّ إليه أو حقيقة يقاس عليها. وهو سرّ فشل المرشحين الأولين في مواجهة كذب الملك. إذ أنهما اعتقدا أن المبالغة في الإغراب تكفي لإبهار السامع. ولكنهما لم ينتبها إلى أن المبالغة متاحة للجميع. ومن ينفلت من عقال الحقيقة يقول ما يشاء، إلا أن يدركه الواقع في لحظة من اللحظات. وهو تماما ما حصل للملك حين مواجهته للمرشح الثالث، هذا طبعا إذا لم نأخذ بعين الاعتبار أن المسكين على وشك فقدان رأسه. وتلك نتيجة متوقّعة لمن يرضى أن يكون خصمه هو الحكم. ولكن ليس هذا ما يهمّنا الآن. ما يهمّنا نجاح هذا المرشح الثالث في تحدّي كذب الملك. والسرّ أن هذا المرشّح استطاع أن يضع الملك إزاء تحمّل مسؤولية ما يقول من كلام.

هذا هو بالتحديد الدرس الذي يبدو أن الشركاء الدوليين قد استوعبوه في علاقتهم بنظام الحكم القائم في تونس. فبعد أن نمّقوا الكلام مطالبين الرئيس قيس سعيد بإثبات ما يدّعيه من «ديمقراطية حقيقية»، اكتشفوا عبثية مجاراة من لا ينضبط لواقع ولا يخضع لحقيقة. ومن ذلك أنهم كانوا كلما أصدروا البيانات أو أوفدوا الوفود يواجهون بخطاب سيادة الشعب داخليا وسيادة الدولة خارجيا. بل إنهم أحيانا ما ووجهوا بمطالبات الرئيس الفيلسوف لهم بالاقتداء به وبفكره الجديد المتجاوز «للمقاربات التقليدية» التي تحكم الديمقراطيات غير الحقيقية في أوروبا وأمريكا.
لعل الكثير من القادة الغربيين قد شعروا بالحيرة أمام تعنّت هذا السياسي الذي يتربّع على عرش كان قد قطع أسسه بخرقه للدستور الذي أقسم على احترامه. مع هذا، ما فتئ يعطي الدروس باسم الدستور وباسم قيم الصدق والأمانة. بل إنه يذهب إلى حدّ تبرير الحكم الفردي باسم الديمقراطية الحقيقية.
لم تدم الحيرة كثيرا. ذلك أن الجميع قد فهموا أنه من المستحيل مجاراة محترفي الخزعبلات. فرأسمالهم كلام رخيص لا نهاية له ولا قيمة. ولكن من الممكن استخدام تلك الخزعبلات للتسريع باصطدام أصحابها بالواقع.
إن لسان حال شركاء تونس الدوليين يقول: «فلتهنأ تونس بنظام حكمها الفردي ما دامت الديمقراطية والأعراف الدستورية ليست من شيم نخبها. ما دام رئيسها يؤمن بالشركات الأهلية وبالديمقراطية الحقيقية وبالمقاربات الجديدة، وما دام يرفض التفريط في المؤسسات العمومية، وما دام يقارع المؤسسات المالية العالمية ووكالات التصنيف الدولية ويسميها «أمك صنّافة»، فليوقع هو شخصيا على اتفاق حكومته مع صندوق النقد الدولي».

بطريقة أخرى: يبدو أن العالم الغربي «الشرير» ينوي تلقين تونس وتلقين رئيسها درسين أساسيين في الحياة لا يدرك النضج من دونهما، أولهما أن للكلام معنى، وثانيهما أنه بقدر الحرية في الكلام تكون المسؤولية في تحمّل التكلفة. المشكلة أن تعلّم مثل هذه الدروس غير ممكن لمن هو واقع تحت سحر الشعرات والعناوين. مثل ذلك كمثل الذي ينظر إلى الإصبع حين يشير صاحبه إلى القمر. فهو عاجز عن الإشاحة بالنظر من المشير، أي الإصبع، إلى المشار إليه، أي القمر. فلا يمكنه إلا أن يقول، كما يقول أنصار الرئيس اليوم: «إنه (إصبع) نظيف مستقيم لا اعوجاج فيه». وذاك حال من ينشغل بالدال عن المدلول وبالشعارات عن الحقيقة وبالكلام عن الواقع وبالرئيس عن الدولة.

إن عبدة الأصابع لا تعنيهم الحقيقة ولا يعنيهم الواقع في شيء. كل ما يهمهم هو وجهات النظر والبلاغة في الخطاب. وليذهب الواقع إلى الجحيم إذا كان الواقع يهدد بتوجيه بصرهم بعيدا عن الإصبع المعبود ! وليتمرّغ أنف الحقيقة في التراب إذا كانت الحقيقة تتجرأ يوما على أن تناقض نواياهم الحسنة أو إيمانهم بأنهم يملكون الحقيقة.

يمكن للحكم على السياسات العمومية أن يقوم على الخطاب والوعود المعلنة أو على الآثار والنتائج الحاصلة. ورغم أن الجميع يتّفقون نظريا على أن النتائج هي ما ينبغي الاعتماد عليه للحكم، فإن الواقع يؤكد غلبة الشعارات وهيمنة الأوهام. ولا يتوقّف الأمر عند الرئيس وأنصاره اليوم. كما أنه لا يتوقّف عند قضية السيادة داخلية كانت أو خارجية. فتلك أعراض لعلّة مستفحلة في هذا البلد السعيد، الذي لا يمزح بالخزعبلات، بل يجدّ بها من ذلك أن يعتقد البعض أن المؤسسات العمومية ملك للشعب. لماذا؟ لأنها عمومية! من أراد أن يعرف قيمة هذا الكلام، فليسأل أحد المعدمين من أبناء الشعب التونسي إن كان يشعر بالثراء لكونه يملك جزءا من تلك الشركات العمومية. وقد يجيب ذلك الفقير: «إن الشركات العمومية ملك لمن يستفيد منها ومن تحويلات الضرائب التي تصرف فيها لا لشيء إلا للحفاظ على نشاطات فاشلة ومواطن شغل تراوح بين الوهمي وانعدام الجدوى. كل ذلك باسم ماذا؟ باسم المصلحة العامة والملكية العمومية وحقوق الشعب».

هي شعارات رنّانة، ولكنها تخفي حقيقة يعرفها أبطال الشعارات، ولا يريد أن يبصرها ضحاياها. وأكثر هؤلاء الضحايا غير مهتمين اليوم بالمقارنة بين عناوين السياسات ومحتواها، وبين فخامة الخطاب وخواء الأفعال. أي أنهم يصرّون على النظر إلى الإصبع الذي يشير، لا إلى القمر في الحقيقة، ولكن إلى البؤس والفشل. فهنيئا للإصبع وهنيئا لصاحبه وهنيئا لكل عين تريده أن يفقأها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا