تونس وعوامل النجاح

قد يبدو عنوان «تونس وعوامل النجاح» استفزازيا إلى حدّ ما خاصة عندما نذكر كل عناصر الفشل الماثلة اليوم أمام أعيننا والتي يتفاقم حجم بعضها برؤية العين.

يبقى الحديث عن عوامل النجاح أساسيا و-في رأينا- حتى لا يكون الإحباط مصيرنا المحتوم من جهة وحتى نقدر الجهد الضروري الذي يجب أن نبذله بصفة جماعية للخروج من دوامة الفشل إلى الآفاق الرحبة للنجاح .
يمكن أن نقول أن أول عوامل النجاح يكمن في طبيعة الاخفاقات المجتمعية التي نعيشها اليوم إذ لم نصل بعد إلى نقطة اللاعودة التي لم تضرب بعد في مقتل جوهر مقومات النجاح.
لنأخذ مثالا على ذلك وضعية المالية العمومية والتي أوصلت البلاد اليوم إلى عتبة عدم القدرة على استدامة دينها الخارجي .
الوضع الحالي إذن سيء للغاية ولكننا نعلم جميعا أن إصلاحات جدية وممكنة للدولة وللاقتصاد على المدى القصير (3 سنوات) قادرة على الحد من هذا النزيف وإعادة توجيه التوازنات المالية الكبرى للدولة في الاتجاه الصحيح مع كلفة اجتماعية مقدور عليها . نتحدث هنا من الناحية النظرية ولا نتحدث عن البرنامج الذي تناقشه الحكومة اليوم مع صندوق النقد ..ففي البرنامج الحكومي عناصر أساسية ضرورية للحد من النزيف ولكننا لم نر فيه الطموح الضروري لإعادة البلاد سريعا إلى سكة النمو السريع والمستدام .
إذا كان إصلاح انخرام التوازنات العامة للمالية العمومية ممكنا في ظرف قصير نسبيا فذلك يعني أن إصلاح بقية منظومات الاقتصاد ليس أمرا مستعصيا بل هو متاح ولدينا كل القدرات والكفاءات لإعادة تشغيل كل منظومات الإنتاج الغذائي والصناعي والاستخراجي والخدماتي بأسرع وقت ..
الإشكال هنا في تلك المقاربة المرتعشة والتي تهدف فقط الى المحافظة على توازنات لا تستقيم خوفا من كلفتها الاجتماعية المحتملة فترانا نحمل قطاعات واسعة من إنتاج الثروة عندنا إلى حافة الإفلاس ..
لنأخذ منظومة إنتاج الألبان مثالا على ذلك.لقد تمكنت بلادنا من تركيز منظومة متكاملة منذ سبعينات القرن الماضي أضحت قادرة على توفير الاكتفاء الذاتي في مادة أساسية كالحليب مع تطوير كل صناعات المواد المستخرجة من الحليب وقدرة على التصدير ..ولكن الرغبة الحكومية المفهومة في الإبقاء على هذه المادة في متناول كل فئات المجتمع والتضييق المشط في هامش الربح للمنتج وللمجمع وللمصنع بل وإجبارهم أحيانا على البيع بالخسارة حدّ بصفة واضحة من إمكانيات تطور هذه المنظومة كما حدّ من جاذبيتها لكل من يريد الاستثمار فيها خاصة إنتاجا وتصنيعا ..
الحلّ بطبيعة الحال ليس في رفع الدولة ليدها عن القطاع والتخلي عن تعديل الأسعار عند البيع للعموم كما لا يكمن فقط في المراقبة الإدارية وفي التسعير المجحف .
الحل في تشجيع هذا القطاع وغيره،على النمو والجودة والقدرة على اكتساح الأسواق الإقليمية والعالمية والتعويل على الارتقاء في سلم القيم في هذا القطاع وفي غيره وفي الترفيع المستمر من مردوديته بما يسمح بأجور عادلة إنتاجا وتجميعا وتصنيعا وترويجا بدل أن نترك كل قطاعاتنا في الصناعات الغذائية الأساسية في مستوى الكفاف ظنا منا بأننا نحافظ بذلك على السلم الأهلية بينما نستمر - في الحقيقة- في إنتاج الفقر والهشاشة والتعويل على الأجور الزهيدة ونحكم بالتالي على اقتصادنا وعلى مجتمعنا بأن يبقيا مشدودين إلى الوراء .
الحل ليس سهلا بطبيعة الحال وهو يتطلب نظرة إستراتيجية شاملة لكل منظومات الإنتاج الغذائي وما يرتبط بها من مدخلات ومكننة وخدمات صناعية وتكوين يد عاملة عالية الجودة، ونحن نتحدث عن منظومات موجودة أثبتت قدرتها على الصمود وعلى التألق أيضا في أحيان عدة .
لعل الإصلاح الأعسر هو إصلاح منظومتنا التربوية لأنه تأخر لعقود طويلة تراجعنا فيها عن ما تنجزه دول كثيرة في العالم والتي جعلت من التفوق المدرسي عنصرا محوريا في إستراتيجيتها التنموية. يبقى الإصلاح ممكنا شريطة أن نضع الهدف الصحيح الوحيد : تكوين أجيال جديدة يكون التفوق المدرسي فيها على المستوى العالمي متاحا لجلّ بناتنا وأبنائنا،تفوق يسمح بالتميز العالمي أيضا في المكاسب الأساسية للعملية التربوية : الرياضيات والعلوم واللغات (إتقانا وفهما لأبعادها الحضارية والفكرية) وتكنولوجيات الاتصال والثقافة الاقتصادية والمالية..
نحن هنا أمام الإصلاح الوحيد الذي يستدعي منّا جهدا كبيرا من اليوم إلى أواسط هذا القرن وهو الوحيد الضروري الذي سيسمح لبلادنا بتحقيق قفزة عملاقة في سلم القيم على مستوى دولي ..
نريد فقط أن نقول إن أساسيات البلاد -حتى وإن كانت مرهقة أو تخلفت عن بقية الدول- مازالت قابلة للاصلاح بداية، وخلق التفوق ثانية والذي هو شرط الازدهار العام للمواطنين.
هل تسير بلادنا في هذا الطريق،قطعا لا،بل هي تسير اليوم في طريق مسدود ويعتقد قادتها اليوم أن الانفراد بالرأي والمغالبة وفرض الأمر الواقع هو سبيلنا الوحيد للنجاة.
شرط الإصلاح العقلانية وشرط العقلانية يكون بالاستعمال الأمثل للموارد وللطاقات وشرط هذا كله مواطنة فاعلة وسياسات إدماجية ونظرة استشرافية وديمقراطية كاملة الأركان .
طريق الإصلاح واضح، ولكن الجحيم مفروش أحيانا بالنوايا الطيبة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا