بعد تنقيح القانون الإنتخابي: تداعيات «الغربال» الانتخابي

في أول قراءة لتنقيح القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المتعلّق بالانتخابات والاستفتاء الّذي تم بموجب الرسوم عدد 55 لسنة 2022،

بدا لي أنه أكثر تماسكا في صياغته من بقية النصوص التشريعية ، بما في ذلك الدستور الجديد .
ولكن عند التمعن في الجانب السياسي، يتضح أن التنقيح أدخل تغييرا في استراتيجية المرحلة المستقبلية بخصوص تنظيم العمل السياسي و تسيير البلاد من حيث توزيع آليات السلطة و تسطير ضمان استمرارها و استقرارها. هذه الإستراتجية بدت محبوكة بطريقة تتماشى مع ما ضمنه رئيس الدولة في الدستور في ما يتعلّق بمركزية السلطة و في تدعيم قوة الدولة ، بقطع النظر عمن سيحكمها.

هذه الرؤية لم يقع تقديرها حق قدرها لدى القوى المعارضة وفي مقدمتها الّذين كانوا ماسكين بالسلطة و مشاركيهم ، فبقوا يتعاملون مع السلطة بنفس المقاربات السابقة و في انتهاج نفس طرق الضغط والمساومة أحيانا على أمل أن يستجيب رئيس الجمهورية لدعواتهم للتحاور معهم و الرجوع إلى المربع الّذي يحذقون التحرك فيه.و ما شجعهم على هذا السلوك ، اعتقادهم بأن لهم مخزونا شعبيا ، لا ينتظر غير الضغط على زر ، كي تؤدي دعوتهم إلى التصعيد لمزيد الضغط ،و ذلك دون اعتبار لمدى شعبية رئيس الجمهورية ودون حساب لردود فعل الدولة الّتي لم تنسق إلى كبت الحريات و منع التجمهر و التظاهر ومنع شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها من الأساليب المتوغلة في العنف والّتي تؤلب الرأي العام على الحاكم و تجلب التعاطف معها ، إذ اكتفت السلطة بإتخاذ الإجراءات الحازمة الّتي لا تلقى ردود فعل عنيفة من الفئات الشعبية ولا توحد مواقف الرفض حولها. بل أن ما دعم رئيس الجمهورية وجعله يواصل منهجية التصورات الّتي يسعى إلى تطبيقها، رجم السلطة بوابل من النعوت ، مثل الديكتاتورية والاستبداد و دعوة الشعب إلى الوقوف ضد رئيس الدولة ، بخطاب و تصرفات تنم عن سعي للاستقواء بالخارج بصورة جلية، ثم الدعوة إلى مقاطعة الاستشارة و من بعدها الاستفتاء على الدستور ، دون تعميق النظر في آثار ذلك ، و هو موقف ترك المجال مفتوحا للسلطة للتصرف كما تشاء دون أن تبرهن المعارضة عن أنها جادة وفاعلة و لها مخزون وطني في رصيدها والحال أنها تُلام وتُؤاخذ على أنها لم تحقق شيئا عندما كانت ماسكة بالسلطة أو مشاركة فيها أو متحالفة معها ، سواء على المستوى التشريعي بتنقيح العديد من القوانين غير الملائمة

أو على المستوى الإجتماعي و الاقتصادي بإجراء إصلاحات عميقة.
في هذا المناخ العام تم إعداد تنقيح القانون الانتخابي من الماسكين بالسلطة ،و تم وضع أحكام جديدة تضمن تقريبا مواصلة الحكم مع اعتماد غربلة دقيقة لتجاوز مساوئ النظام الانتخابي السابق ووضع تصوّر جديد كفيل بتغيير الخارطة الانتخابية بمفهوم جديد في ممارسة السلطة طبق أحكام الدستور الجديد .

هذا التصور الجديد وضع النقاط على الحروف بخصوص الجدل حول جنسية الناخب و المترشح، أو إزدواجية الجنسية، وفي ذلك ترجمة لما جاء في الدستور ولكن فيه حد من حقوق التونسيين المنحدرين من زواج مختلط بين جنسيتين أو الحاملين لجنسية مزدوجة.
أمّا بقية الشروط الواردة في التنقيح فهي نابعة من رغبة في غربلة المترشحين إستنادا إلى معايير جديدة تهم شخص المترشح يبدو أنها مؤسسة على تجنب مساوئ الاحكام الملغاة وكانت محل إنتقاد، مثل توفر شروط نقاوة السوابق العدلية وعدم إقصاء المترشح بأي صورة من صور الحرمان القانونية، والإقامة

بالدائرة الانتخابية المترشح عنها، وكذلك توفر شرط مرور سنة على انتهاء وظائف المترشح في الحكومة ودواوينها و القضاة، ورؤساء البعثات الدبلوماسية والقنصلية، والولاة والمعتمدون الأول والكتاب العامون للولايات والمعتمدون والعمد والأئمة و رؤساء الهياكل والجمعيات الرياضية ...
كما تضمّن التنقيح شروطا شكلية تتعلّق بما يستوجبه قبول مطالب الترشح نذكر بالخصوص البطاقة عدد3 ووصل خلاص الضريبية وشهادة إبراء الذمة من الأداءات البلدية و شهادة إقامة و موجز البرنامج الانتخابي للمترشح كذلك الإدلاء بقائمة تضم 400 تزكية من الناخبين المسجلين في الدائرة الانتخابية معرف

عليها بإمضاء المزكين لدى ضابط الحالة المدنية أو لدى الهيئة الفرعية للانتخابات المختصة ترابيا على أن يكون نصف المزكين من الإناث و النصف الثاني من الذكور يكون من بينهم وجوبا 25 % من الشباب دون سن 35 سنة.
كما تضمن التنقيح شروط الطعن و شروط البت فيه و ضبطها بآجال قصيرة ، ممّا سيجعل العمليات الانتخابية في المستقبل محكومة بإجراءات متنوعة غير يسيرة على المترشحين وعلى الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات خاصة في التجربة الأولى لسنة 2022.

من المفترض أن تنتهي كل هذه «الغربلة» إلى إنتقاء صفوة القوم، أي الّذين لا تشوبهم شائبة حتى أثناء الحملة الإنتخابية الخاضعة هي الأخرى إلى رقابة الهيئة تحت أنظار الملاحظين، وهم أشخاص من أبناء منطقة واحدة مقيمين بها ويتابعون شؤونها ، ولكن لا أحد يضمن إمكانية توفر كل الشروط للأكثر غيرة على المنطقة و الأكثر استعدادا للعمل على تحقيق مصالحهم العامة إذا كان لهم دور حقيقي في ذلك ، و حتى إن تصورنا الرقابة الّتي يباشرها الناخبون بورقة سحب الوكالة المتاحة طبق شروط أخرى، فإن تحقيق كل الطموحات ، يبدو محاطا بعوائق عدّة ، ستكشف التجربة مخرجاتها خاصة إذا إفترضنا عدم دعم الأحزاب للمترشحين بشكل مباشر و عدم توفر الإمكانيات لتوفير مستلزمات الحملة الانتخابية للأفراد.

هذه القراءة السريعة لا تنسينا مواقف الأحزاب و منظمات المجتمع المدني من الاستحقاقات القادمة ، و نخص بالذكر الأحزاب، الّتي وجدت نفسها في ظل التنقيح المدخل على القانون الانتخابي «معلّقة بين السماء والأرض» لذلك انتفض مسيروها وسارع بعضهم بالإعلان عن عدم مشاركتهم في الإنتخابات ، حتى قبل أن يستوعب أغلبهم ،كيفية المشاركة عند دعم أو «تبني» أحد المترشحين، وهو المدخل الوحيد لهم كي تُسمع أصواتهم «بواسطة» بعد أن سحبت منهم التمثيلية المباشرة في البرلمان. برلمان أصبح في ظل الدستور الجديد «قلعة» هائمة في الضباب ،خُص بدور وظيفي ورقابي يذكرنا ببرلمانات الجمهورية الأولى، والمستقبل كفيل بتبديد الضباب في ما هو عاجل و في الآجل بيان مواطن الخطأ والصواب...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا