الملامح الأولى للقانون الانتخابي ولتقسيم الدوائر: في تناقضات إيديولوجيا البناء القاعدي

وأخيرا أرسلت رئاسة الجمهورية مشروع المرسوم/القانون الانتخابي إلى هيئة الانتخابات يوم أمس وذلك قبل يومين فقط من آجال نشره بالرائد الرسمي.

ولئن كنّا إلى حدّ كتابة هذه الأسطر لا نعرف كل الإجراءات المتضمنة في هذا المشروع إلا أن تصريحات أعضاء هيئة الانتخابات يوم أمس تعطينا بعض الملامح العامة عن هذا المشروع كذلك عن عدد الدوائر الانتخابية .
الآن قد تأكد بصفة نهائية أن الانتخابات التشريعية للغرفة الأولى ستُجرى يوم 17 ديسمبر 2022 وأنها ستكون على الأفراد في دورتين وان عدد الدوائر هو 161 دائرة، 151 على مستوى تراب الجمهورية و10 في الخارج على أن يقدم كل مترشح نسخة من بطاقة عدد 3 وكذلك 100 تزكية هذا مع وجود إمكانية سحب الوكالة من النائب.

ما يهمنا هنا هو الوقوف عند فلسفة الانتخاب على الأفراد وعلى عدد الدوائر المخصصة على مستوى وطني.

كما يعلم الجميع أن الانتخاب على الأفراد جزء أساسي من التصور الإيديولوجي للبناء القاعدي والمقصود به في الأصل الانتخاب على الأفراد في أضيق الدوائر قصد «التصعيد» من المحلي (الدائرة الانتخابية) إلى الجهوي (مجلس الولاية) إلى المركزي (المجلس التشريعي).
ويهدف الانتخاب على الأفراد في أضيق الدوائر - في تصوره الأصلي – إلى إلغاء دور التصورات الشاملة والعامة التي يمكن أن تقدمها الأحزاب وتعويضها بأفراد دون يافطة حزبية معلنة مع تزكية دنيا من أبناء وبنات المحليات مع تقديم برنامج تنموي يتعلق فقط بالدائرة الانتخابية المخصوصة .
المسألة المحورية إذن هي «أضيق الدوائر» حتى يتم ضمان التصعيد الفعلي من المحلي إلى الجهوي إلى الوطني وأضيق الدوائر عند جماعة البناء القاعدي كانت العمادة بما كان يعطي معدلا بحوالي 4000 ساكن للعمادة الواحدة أي ما يقارب 2500 ناخب(ة) كمعدل وطني.
الإشكال الرئيسي هو كيف يمكن المرور من أكثر من ألفي منتخب إلى مجلس تشريعي دون المائتي نائب ؟ وهنا جاءت أفكار القرعة أو الانتخاب غير المباشر..
اليوم عندما ننتقل إلى 151 دائرة على مستوى وطني فإن الأمر يصبح مختلفا إلى حد كبير إذ سيكون معدل السكان بحوالي 80.000 من بينهم قرابة 50.000 ناخب(ة) .

نحن بعيدون كل البعد عن فكرة أضيق الدوائر أو حتى عن فكرة الدائرة الضيقة.

وهنالك مسالة ثانية أساسية وهي الاضطرار إلى تجميع عدد من المعتمديات في دائرة انتخابية واحدة ما دام عدد المعتمديات (274) يكاد يساوي ضعف عدد الدوائر (151).
إذا ألقينا نظرة على التقسيم الإداري للجمهورية التونسية سنلاحظ أن عددا هاما من المعتمديات في الشريط الساحلي الشرقي (من بنزرت إلى مدنين) ذو كثافة سكانية هامة أي أنها ستكون دوائر انتخابية مستقلة بذاتها وهذا سيفرض حتما تجميع عدة معتمديات داخلية أو صحراوية في دائرة انتخابية واحدة، فأين انتخابات القرب هنا ؟ وأي معنى لتزكية المواطنين ؟ وآي برنامج تنموي لأربع أو خمس معتمديات قد تكون لها أوضاع اقتصادية واجتماعية متباينة إلى حدّ كبير؟
نحن في الحقيقة أمام تقسيم ترابي يناسب التنظيمات الحزبية أو الائتلافات الكبرى لأنه يفترض وجود ماكينات انتخابية ضخمة وبرامج على مستوى وطني مع بعد محلي محدود وتمويل كبير حتى يتمكن المترشح من إيصال صوته وأفكاره إلى عشرات آلاف المواطنين في داوائر قد تكون شاسعة جغرافيا وفيها تنوع ديمغرافي هام .

الانفراد بالرأي والقرار لا يمكن أن يؤدي إلا إلى مثل هذه التناقضات : انتخابات على الأفراد حتى نضيق على الأحزاب فتقسيم ترابي لا يلائم إلا الأحزاب الكبرى أو ذوي الجاه والمال، ولكن جل المكونات الحزبية تقول بأنها ستقاطع هذه الانتخابات القادمة ..
لقد أخطأ ديكارت حينما اعتقد أن العقل السليم (le bon sens) هو من أكثر الأشياء قسمة في العالم .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا