على هامش انتخابات هياكل المحاماة: رهانات هياكل المحاماة المنتظرة

تلتئم غدا الجلسة العامة الانخابية لمحاميي الجمهورية التونسية لانتخاب هياكلهم الجديدة بعد طي صفحة الدورة المنقضية إث تمديدها حوالي شهرين

لمقتضيات إلتزمات العميد المتخلي الأستاذ إبراهيم بودربالة في الإستحقاقات التي لبى فيها دعوة رئيس الجمهورية للمشاركة في إعداد مشروع الدستور الجديد لتونس . هذه المشاركة كانت محل جدل متشنج من بعض المتدخلين في مناقشة التقريرين الأدبي والمالي أثناء الجلسة العامّة للمحامين الّتي انعقدت امس 10 سبتمبر 2022 في مدينة الثقافة بتونس العاصمة بحضور حولي 500 محام.

جلسة عامّة كانت خاتمة لحملة انتخابية دون وهج أو حماس، ودون متابعة إعلامية فبدت بعيدة عن إهتمامات الرأي العام المنغمس في مخرجات الأوضاع الصعبة الّتي تعيشها البلاد على كل الأصعدة.

كان الفارق البين بين هواجس المحامين في الدورة السابقة و الدورة الحالية، فقدان الموقع الدستوري الّذي كانت تحظى به المحاماة حيث كانت مشاركة للقضاء في إقامة العدل لتعود إلى حصن الدفاع في دور أصبح فيه القضاء وظيفة من ضمن الوظائف المختلفة في الدولة على غرار الوظيفة التنفيذية و الوظيفة التشريعية، و هي مقاربة جديدة حلت محل السلط الّتي كانت موزعة في دستور 2014 وما قبله. يضاف إلى ذلك التعامل الجديد للسلطة مع مختلف الفاعلين في الشأن العام وكيفية تسيير دواليب الدولة لتلبية حاجيات الشعب ،على خلفية تجسيم شعار تنفيذ «إرادة الشعب» .
هذه النظرة الجديدة غيرت العديد من المفاهيم و جابهت القضاء بنزع السلطة منه وانعكس ذلك على المحاماة الّتي كانت حسب دستور 2014 شريكة للقضاء في إقامة العدل، و هو تحوّل كبير في المفاهيم وهو محل اختبار لا يمكن لأحد أن يتكهن بمخرجاته في المستقبل.

هذا التحوّل غير متناغم مع النظرة السائدة للمحاماة الّتي بقت مرتكزة على رصيدها الّذي كسبته من الدور الّذي تبوأته في الحركة الوطنية و الدور الّذي يتبوّبه عدد من الشخصيات المنتمية إليها أو المتخرجة منها في الحياة السياسية وفي بناء الدولة التونسية. هذه المكانة المتميزة، جعلت الهياكل الممثلة للمحاماة إحدى أهم الجمعيات الضاغطة في المجمتع المدني و السياسي والمساهمة في التحولات التي عرفتها البلاد في مختلف المحطّات

لقد رفع العميد المتخلّي سنة 2019 شعار الإستقلالية والمهنية ، وكان من المنتظر أن تتغير السمات الّتي تعوق تطور المهنة وأن تنجح هياكل المحاماة في فرض الاستقلالية الايجابية وفي معالجة الشؤون المهنية بإقتدار، إلا أن المحاماة دخلت في منازعات وتصادم مع جانب لا يستهان به من ممثلي القضاة و من المؤيدين لهم ، دون أن تتمكن الهياكل و في مقدمتهم مؤسسة العمادة كقوة إقتراح أن تتدخل في ما حصل في شأن القضاة المعزولين، مما جعل الهياكل تدير الازمة تلو الأزمة.

ما كان يميز المحاماة لدى الرأي العام انخراطها في الدفاع عن الحريات العامّة والخاصّة ، ومساهمتها الدائمة في الدّفاع عن إستقلال القضاء، وهو ما جعلها تتميّز عن بقية المهن الحرّة و تكون قريبة من مختلف الفئات ومؤثرة فيها ، ومشاركة في التحركات والاحتجاجات أو في قيادتها ضد مختلف الحكومات ولكننا لم نر سواء في الدورة الأخيرة أو في الدورة التي سبقتها أي تحرك أو تحفّز أو مبادرة بخصوص المحكمة الدستورية رغم أنها تهم المحاماة من قرب، كما لم تظهر المحاماة في الدفع من أجل إصلاح القضاء ولم نر لها دورا متميّزا في المجلس الأعلى للقضاء، ولم نشهد لها دورا في الاهتمام بالأداء اليومي للإدارة القضائية و ما يحدث من تعطيلات وتجاوزرات أحيانا و ما لذلك من أثر على الحياة المهنية للمحامين و على المتقاضين . و غابت روح المبادرة والمشاركة في صياغة القوانين و في متابعة مشاريع القوانين ، الّتي ستكون في النهاية أداة عمل المحامين والقضاة على حد سواء .

لقد انكمشت المحاماة ، كما سبق أن أكدنا في عدّة مقالات ،بعد «هجرة» جانب هام من المحامين إلى مواقع السياسة في الأحزاب أو في ممارسة السلطة وحصول شبه فراغ في هياكل التسيير المحيطة بالعمادة ، فلم تعد ذلك الصرح المهاب الّذي تُحيط به هالة الإكبار والتقدير. بل تسبّب البحث عن الوجاهة العامّة، في نقص الإهتمام بشؤون المهنة ، مما خلق نوعا من التبرّم و تفشي بعض الظواهر السلبية و التجاوزات وتحوّلت بعض المنابر و شبكة التواصل الإجتماعي إلى «حلبات للمبارزة» وفي أحيان كثيرة للسب والشتم.

هذا الوضع حسب رأي العديد من المحامين يجب أن يتغيّر وهم يأملون أن يحصل التغير في القيادة أساسا لأن مؤسّسة العمادة كما سبق أن أكدنا، هي بمثابة عربة القيادة ولا يمكن أن نتصوّر قائدها دون أن تتوفّر فيه عناصر التميّز و المتمثّلة في التجربة و سعة المعارف والكفاءة و الاستقامة و الإشعاع، والقدرة على التجميع و حسن الإحاطة والكياسة في التعامل مع الأطراف الناشطة في مجال القضاء و المجتمع المدني. كما يفترض أن يسترجع مجلس الهيئة قوّته و تماسكه بوجود عناصر ذات كفاءة و تجربة وأخلاق عالية للمساهمة بفاعلية في التسيير و التنظيم واتخاذ القرار.

إن المحامين ينتظرون إعادة الاعتبار للمحاماة كقوّة فاعلة في المجال الحقوقي والقانوني و في الشأن العام كقوّة مبادرة واقتراح و ضغط من أجل تركيز دولة القانون والمؤسسات والحفاظ على القيم الجمهورية والديمقراطية و إعادة الإعتبار للمسار المهني ومعالجة أوضاع المحاماة والمساهمة بفاعلية في تحسين أوضاع القضاء ، لأن ذلك مصدر قوّة هياكلهم، و ذلك هو الطريق الّذي يجعلهم في طليعة المدافعين عن قيم الحق والحرية والعدالة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا