ديون الدولة التونسية بين واقع الأرقام وحماسة الخطاب الشعبوي: في مسؤوليات الحكومة والبنك المركزي

لقد كان هذا الأسبوع أسبوع الديون والهبات التي تحصلت عليها الحكومات والمنشآت العمومية على امتداد عشرية 2011 - 2022،

بدأ هذا مع تقديم رئيسة الحكومة لتقرير إلى رئيس الدولة يوم الاثنين غرة أوت تضمن «جرد وضبط القروض والهبات المسندة لفائدة الدولة التونسية والمؤسسات العمومية خلال السنوات العشر الأخيرة» وقد تم التركيز في بلاغ رئاسة الجمهورية على «عديد الإخلالات» التي تسببت «في تحمل ميزانية الدولة لفوائد وخسائر صرف دون موجب في عديد الحالات» ثم تواصل الاهتمام الرئاسي بهذا الملف يوم الأربعاء 3 أوت عند استقبال وزيرة المالية ومحافظ البنك المركزي وقد تم الحديث هذه المرّة «على ضرورة ترتيب الآثار القانونية عن كل تجاوز ذلك أن الأرقام الواردة في هذا التقرير ضخمة خاصة بالنسبة للهبات»..
يحصل كل هذا والتقرير المشار إليه لم ينشر بعد وقد لا ينشر مطلقا لأن التقارير التي تُقدم بداية لرئيس الدولة والتي يحتم القانون نشرها أو التي تريد جهة المبادرة نشرها يتم ذلك في الساعات الموالية أو في اليوم الموالي لتقديمها ..
نحن نتحدث عن تقرير يتعلق بكل القروض والهبات التي حصلت عليها الدولة التونسية والمنشآت العمومية ونتحدث عن ترتيب الآثار القانونية بينما التقرير المتضمن لكل هذا مخفي عن أنظار عموم التونسيين ..
لقد تحدثنا يوم الأربعاء 3 أوت في نفس هذه الصفحة عن أن الاستيلاء الإجرامي على القروض والهبات وتحويلها إلى حسابات شخصية أو حزبية مسألة مستحيلة منذ قيام دولة الاستقلال، وحتى الهبة الصينية بمليون دينار والتي حصلت عليها وزارة الخارجية زمن الترويكا واتهم رفيق عبد السلام وزير الخارجية آنذاك بتحويلها إلى حسابه الخاص لم يتم فيها تأكيد شبهة الاستيلاء علاوة على أننا نتحدث عن مليون دينار من أصل حوالي 5 أو 6 مليارات دينار من الهبات التي حصلت عليها تونس خلال العشرية .
لكن وعلى افتراض وجود جرائم (نؤكد هنا على جرائم لا على سوء حوكمة أو تقصير) فلابد – بداية - من نشر هذا التقرير للعموم حتى نتبين جميعا حقيقة ما حصل وحتى نقطع دابر الإشاعة علاوة على أن نشر هذا التقرير حق ديمقراطي لكل مواطن وليس منّة من أحد ..
وفي انتظار نشر هذا التقرير نعتقد أنه على مؤسسات الدولة ذات الصلة أن تتحمل مسؤوليتها كاملة وألا تتخفى وراء واجب التحفظ ونقصد هنا بالأساس رئاسة الحكومة أولا ووزارة المالية ثانيا والبنك المركزي ثالثا ومحكمة المحاسبات رابعا .
هذه المؤسسات الأربع (وخاصة وزارة المالية والبنك المركزي) تصدر تقارير دورية عن الدين العمومي ،ولعل آخرها وأهمها ما نشرته وزارة المالية في بداية هذه السنة والذي يحمل عنوان «التقرير حول الدين العمومي» وهو أحد الوثائق المرفقة بقانون المالية للسنة الحالية ..
من يطلع على كل هذه التقارير لا يجد أي اثر لاختلاس أو لتحويل وجهة الديون والهبات لفائدة أشخاص أو أحزاب أو لوبيات، كما لم يتحدث اي تقرير رقابي إداري أو قضائي عن اختلاسات في هذا المجال المخصوص بالذات وهنا لا يخلو الأمر من أحد أمرين : إما أن كل هذه المؤسسات متواطئة مع المجرمين الذين حولوا أموال الشعب إلى حساباتهم الخاصة وهنا ينبغي محاسبة كل المسؤولين عن هذه المؤسسات أو أن هذه المؤسسات متأكدة أن الأمر لا يخلو من أن يكون «إخلالات» من صنف تأخر إنجاز المشاريع وضعف استيعاب التمويلات مما تسبب في فوائد إضافية تحملتها ميزانية الدولة أو خسائر منجرة عن تراجع قيمة الدينار بالنسبة للعملات الأجنبية ..
ينبغي التنويه بأننا نتحدث هنا عن الديون والهبات الخارجية والتي تتم مراقبتها عبر بروتوكولات دقيقة وصارمة من قبل الجهات المانحة.
في هذه الحالة الثانية لا يجوز لكل هذه المؤسسات أن تلوذ بالصمت وأن تختفي وراء واجب التحفظ .
نحن لا نطالب هذه المؤسسات بمواقف سياسية او بتصريحات معارضة بل ببيانات فنية حول هذا الموضوع وبنشر إجمالي لكل المعطيات التي تملكها حول المآل المباشر للديون والهبات (اي هل دخلت الى ميزانية الدولة أم إلى جيوب أشخاص ما) ثم طرق التصرف فيها عمليا ..
اذا لم تقم هذه المؤسسات بهذا الواجب الوطني المناط بعهدتها ستكون قد انحرفت عن مهامها في حفظ المال وستكون كالشيطان الأخرس الذي يعلم الحق ولا ينطق به..
في الانتظار نريد نحن المواطنات والمواطنين نشر النص الكامل لهذا التقرير اليوم اليوم وليس غدا .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا