الرواية الرسمية لزيارة وفد صندوق النقد الدولي : نصف الحقيقة ... لا يكفي

تحرص السلطات التونسية على ان تحتفي بأشكال عدة بتصريحات جهاد ازعور مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى

في صندوق النقد الدولي، لتبين «انفراج» الازمة المالية او قربها على الاقل، لكن الصورة الواقعية أبعد بكثير عن الاحتفاء الذي تبديه السلطات.
فازعور الذي التقى بكل من رئيس الجمهورية ورئيسة الحكومة لم يصرح إلا بما ما دأب عليه قادة وفود الصندوق من تصريحات «دبلوماسية» تعلن عن اهمية العلاقة مع تونس ومتانتها، دون الذهاب الى ابعد من ذلك سلبا أو ايجابا إذا تعلق الامر بمصير الاتفاق المنتظر مع الصندوق.
فاثر لقائه مع رئيس الجمهورية قال أزعور ان اللقاء كان مناسبة للاستماع لعرض قدمه الرئيس عن مسار الاصلاحات الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية اضافة الى الحديث عن أوجه التعاون والتنسيق بين صندوق النقد الدولي والفريق الحكومي في تونس دون اغفال «النظرة المستقبلية حول تطور الأوضاع الإقتصادية في تونس والمنطقة والعالم».
أما عن لقائه برئيسة الحكومة فقد اشار بلاغ الحكومة الى عدة تفاصيل لكن ما نسب منها الى ازعور فهو وتأكيد الاخير وفق البلاغ على «متانة علاقات التعاون بين تونس وصندوق النقد الدولي وأهمية المشاورات المتواصلة بين الجانبين». هنا تصمت البلاغات وتتجنب التصريحات ان تخوض في دقائق الامور.
وكانت الصورة الرسمية المقدمة عن الزيارة «إيجابية» باعتبار أن رئيس الوفد الزائر اشار الى اهيمة العلاقة وضرورة تكثيف المشاورات بعد اطلاعه سواء من رئاسة الجمهورية او الحكومة على خطة الاصلاحات الكبرى المنتظر الانطلاق في تطبيقها. لكن هل هذه هي الصورة الفعلية للامور؟.
الحسم بشأن هذا الامر غير ممكن في ظل تعتيم رسمي على المعطيات يتقاطع مع «تقاليد دبلوماسية للصندوق» تحول دون الكشف عن ما جرى في اللقاءين والمواضيع التي وقع التطرق اليها والتي لا تحتاج الى الكثير من النباهة او الفطنة لمعرفة انها تتعلق بالأساس بشروط الصندوق للانطلاق في مفاوضات رسمية لإبرام اتفاق جديد مع تونس.
فالسيد ازعور زار تونس بشكل اساسي لحثّ السلطات فيها على الانطلاق في تنزيل الصلاحات كشرط لانطلاق المرحلة القادمة من المفاوضات. والسلطات التونسية سواء منها الرئاسة او الحكومة قدمتا له مخطط الاصلاحات لكن دون جدول زمني مضبوط للانطلاق فيها بل وعود بذلك ومطالبة بمراعاة الاوضاع السياسية والمالية التي تمر بها البلاد.
اي ان الزيارة واللقاءات لم تحمل جديدا من شأنه ان يعلن عن بداية انفراج الازمة المالية، بل هي اعادة تذكير بضغط الوقت والوضعية المالية والاقتصادية الصعبة لتونس والمخاطر التي تتهددها. وهي هنا متصاعدة وفق تطورات الازمة الاقتصادية العالمية التي انطلقت بانطلاق الحرب الروسية الاوكرانية.
لكن وبشكل مختزل تواجه البلاد اليوم خطرين أساسيين الاول هو استمرار ازمتها المالية وتراكم العجز بسبب ارتفاع اسعار المواد الاساسية و تآكل مدخرات البلاد وموجوداتها من العملة الصعبة مما قد يعود بها الى ما عاشته في 2018 حينما بلغت عدد ايام التوريد 69 يوما.
المؤشرات الحينية اليوم تفيد بان الموجدات الصافية من العملة الصعبة هي 24317 مليون دينار تونسي ما يعادل 7834 مليون دولار تضمن 122 يوما من التوريد. وهذا المؤشر ينذر بخطر تراجع حجم الموجودات بـ0.566 مليار دولار في اقل من 3 اسابيع. اذ ان الموجودات كانت في 30 ماي الفارط في حدود 8.4 مليار دولار وفق تقرير صادر عن وكالة فيتش رايتنغ.
تأكل هو اليوم في بدايته لكن نسقه الراهن يثير مخاوف تتعلق بتسارع وتيرته دون توفر قدرة للبلاد على تعبئة موارد مالية بالعملة الصعبة، فعمليا كانت مبالغ القروض المتحصل عليها بالعملة الصعبة هي اول مصادر التعبئة خلال السنوات العشر الفارطة واليوم البلاد تجد صعوبات كبرى في تعبئة هذه الموارد سواء عن طريق الاقتراض او عن طريق سندات الخزينة.
الخطر هنا هو ان يستمر التأكل نتيجة الارتفاع المعهود لنسق الاستيراد خلال الثلاثي الثالث من كل سنة مع تعثر التعبئة موراد للتغطية وتزامن هذا مع حلول اجال سداد اقساط الديون الخارجية. وحدوث هذا بالتزامن ستكون تداعياته كارثية فالبلاد ستكون بين خيار اما تخصيص الموجودات لسداد الدين او لاستيراد المواد الاساسية.
المخرج من كل هذا مرتبط كليا بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وهنا نجد الخطر الثاني وهو تعثر الوصول الى اتفاق قبل حلول الثلاثي الثالث من السنة، مما يمنح البلاد حيزا زمنيا ضيقا وشبه مستحيل خاصة وان الاجازة الصيفية التي تنطلق في جويلية القادم وتستمر إلى غرة شهر سبتمبر الموالي، ستوقف مسار التفاوض مع الصندوق نظريا.
وهذا يعنى ان الوصول الى اتفاق قبل نهاية الثلاثي الثالث صعب جدا. مما يفتح الباب امام سيناريو الذهاب الى «نادي باريس» الذي تحذر منه مؤسسات الدولة ووكالة التصنيف الائتمانية منذ فترة. ويبدو اننا نقترب منه إذا لم تحدث معجزة.
وضعية صعبة يفهم عدم الخوض فيها علينا والإفصاح عنها، لكن ما لا يفهم هو محاولة تقديم الوضع على انه في اتجاه الاستقرار والخروج من دائرة الخطر دون تقديم ما يفيد بحقيقة هذه الصورة او ما ينفي الخطر القائم... وهذا هو اللعب بالنار.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا