تونس تتراجع بـ21 رتبة في مؤشر «مراسلون بلا حدود»: مخاطر حول حرية الصحافة

مع كل يوم عالمي لحرية الصحافة (3ماي) تنتظر مهنتنا التقرير السنوي للنقابة الوطنية للصحفيين وكذلك التقرير

السنوي لمنظمة «مراسلون بلا حدود» حول حرية الصحافة في العالم.
النتائج هذه السنة تبعث على الانشغال والانشغال العميق ولهذه الاسباب وضعت النقابة تقريرها هذه السنة تحت شعار «حرية الصحافة تواجه الخطر الداهم» كما أن بلادنا تراجعت ب21 مرتبة في مؤشر حرية الصحافة الذي تعده منظمة «مراسلون بلا حدود» لتكون في المرتبة 94 عالميا من بين 180 دولة وهذا اكبر تراجع حصل في تونس منذ الثورة..
قد يبدو لغير المتابع الدقيق أن لا شيء تغير هذه السنة مقارنة مع سابقاتها ،فتونس والمهنة كذلك لم تكونا في وضع مثالي والتهديدات ما انفكت تلاحق الصحافة والصحافيين.
هذا الانطباع العام الصحيح في جزئه الاخير وهو أن بلادنا لم تتمكن من القطع مع كل التهديدات التي تحد من حرية الاعلام وأن كل الحكومات المتعاقبة سعت - بوسائل شتى- الى اخضاع الاعلام أو ترويضه،ولكن الوضع ازداد سوءا منذ سنة 2019 ومثل صعود مختلف الشعبويات خطرا اضافيا على الصحافة والصحافيين.
ينبغي أن نذكر التهديدات التي تطال الصحفيين على الميدان ما فتئت تتسع وهذا ما يجعل ترتيبنا العالمي في هذا البعد بالذات في مرتبة لا تليق مطلقا بديمقراطية ناشئة او حتى متعثرة: المرتبة 124.. ومما زاد الطين بلة هذه السنة المحاكمات التي طالت بعض الاعلاميين وتعرض عدد من الصحافيين الميدانيين، تونسيين وأجانب، إلى العنف والتعنيف عند آدائهم لمهمتهم وأن يكون الافلات من العقاب، دوما هو مصير المعتدين.
يمكن أن ننتقد كل التصنيفات الدولية في مختلف المجالات ولكن رفض المحرار لا يعني أننا عالجنا اسباب حرارة الجسم ،بل فيه انكار للواقع ونكوص عن الاصلاح..
تونس لم تتأخر فقط في مؤشر حرية الصحافة بل تأخرت كذلك وبشكل لافت في مؤشر الديمقراطية الذي تعده سنويا المجلة الانجليزية «the Economist» والتي تصنف دول العالم الى اربعة اصناف كبرى: الديمقرطيات المكتملة والديمقراطيات المعيبة والنظم الهجينة والنظم التسلطية.
بعد الثورة كانت تونس البلد العربي الوحيد الذي يصنف في خانة الديمقراطيات المعيبة وكان ترتيبنا الدولي سنة 2021 في المرتبة 54 من اصل 167 دولة.
اما هذه السنة (صدر التقرير في فيفري 2022) فقد خرجنا من هذه الخانة وأصبحنا معية الدول ذات النظام الهجين ورتبتنا 75 من اصل 167 دولة.
لقد تراجعت بلادنا في سنة واحدة بـ21 مقعدا في مؤشر الديمقراطية وحرية الصحافة وهذا يمثل انذارا حادا للجميع بأن الامور تسير في طريق سيئة بالنسبة للحريات الديمقراطية في بلادنا..
لاشك أن الحكومات السابقة والاغلبيات التي كانت تدعمها لم تكن بالمرة صديقة لحرية الاعلام وجل المكاسب التي تحققت انما كانت بفضل الثورة 2011 أولا واساسا ثم بفضل نضالات المهنة وكل القوى الديمقراطية في البلاد ولكن انتهاكات السابقين لا يمكن باي حال من الأحوال أن تبرر انتهاكات اللاحقين.
هنالك حالة متسعة من استعداء الاعلام والاعلاميين في بلادنا لا يمكن أن تنبئ بخير أو ان تكون طريقا جدية للاصلاح.. فاستعداء الاعلام حتى وإن انطلق من عيوب ونقائص واضحة في مردود المهنة انما يهدف دوما وفي كل بلاد الدنيا الى محاربة الاصوات الحرة واخضاع الاعلام لمشيئة السلطة السياسية فقط لا غير..
إن أكبر متضرر من ضرب حرية الاعلام هو ذاك المواطن الذي ينخرط في حملات التشويه والشيطنة،اذ بلا اعلام حر لن يجد هذا المواطن من يدافع عن حقوقه أو يبلغ عن المظالم التي تطاله أو تطال أفراد عائلته..
لاشك أن اعلامنا، كسائر منظومات بلادنا ،يشكو من عاهات كثيرة ولاشك أيضا أن أداء بعض وسائل الاعلام لا يحترم المعايير المهنية ولا يعمل البتة على تاسيس اعلام الجودة والنزاهة ولكن اصلاح الاعلام لا يمكن أن يكون بترهيبه أو بالسعي لاخضاعه أو بتاليب الجموع ضده ..
معاداة الاعلام والنخب هي دوما الطريق المفضلة لكل الدعوات الشعبوية ولكل استراتيجيات اخضاع المجتمعات للراي الواحد وللقائد الواحد..
الدفاع عن حرية الاعلام وعن شفافيته ونزاهته وجودته واستقلاليته هي ولاشك مهمة ملقاة على كاهل كل الصحفيين ولكنها مهمة ملقاة أيضا على كاهل القوى الديمقراطية والمدنية، ولذلك تسير كل هذه القوى اليوم وبصفة رمزية جنبا الى جنب عسانا نتفادى الكارثة جميعا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا