نعم للمحاسبة .. لا للانتقام العدالة أولا..والعدالة أخيرا

يمكن أن نقرأ تاريخ البشرية كله كحركة انتقال عسيرة وغير منتظمة من الانتقام إلى العدالة..العدالة بما هي محاسبة الجانح أو المعتدي

أو المجرم وفق قانون سابق الوضع يضمن المحاكمة العادلة ضمن مرفق قضائي يحقق بحيادية في المخالفات أو الجرائم المنسوبة لشخص ما ونظر في عناصر الإثبات والنفي وتقصى قدر الجهد وقارن بين الأدلة والوقائع واحترم حقوق المظنون فيه ومنع انتزاع الاعترافات بالقوة ..
هذه المسيرة الطويلة معقدة ولاشك وفيها انتكاسات عدة لأن الانتقام هو الأقرب دوما الى النفوس خاصة عندما تحصل القناعة الخاصة أو الجماعية بإجرام شخص ما ..أو جهة ما ..
ولعل أعسر امتحان أمام العدالة في معناها العام هو القدرة على إنصاف الخصم قبل الصديق واحترام حقوق المظنون فيه عندما نكون في موقع القوة وعندما يحاكم المنتصرون المنهزمين وذلك بغض النظر عن ظروف تحقيق الانتصار والتمكن والغلبة ..
نقول كل هذا لأننا نستشعر دخولنا في مرحلة قد لا نميّز فيها بالوضوح الكافي بين مقتضيات المحاسبة وضرورة عدم الإفلات من العقاب من جهة والانتقام والتشفي من خصوم سياسيين وإيديولوجيين من جهة أخرى ..
ما من شك في أن جرائم هائلة وضخمة قد اقتُرفت في البلاد لبعضها علاقة بالإرهاب داخل البلاد وخارجها ولبعضها الآخر علاقة بالفساد والجريمة المنظمة وبعضها الآخر على علاقة بالأمرين معا..
ولكن بين هذا الإقرار العام ،وشواهده أكثر من أن تحصى أو تعد،وبين إثبات التهم على الأفراد هنالك بون شاسع. القضاء العادل والناجز هو وحده الذي يسمح لنا باجتيازه دون الوقوع في المحظور أي الحكم بالشبهة والصيد بالكركارة وانتصاب المحاكم على قارعة الطريق أو في وسائل التواصل الاجتماعي ..
الإفلات من العقاب يفرغ العدالة من جوهرها ويسمح بترعرع الجريمة والحكم قبل المحاكمة هو النقيض / المرادف للإفلات من العقاب وكلاهما يقصيان العدالة ويعوضانها بحكم القوي المنتصر..
هنالك إجماع في تونس على أن القضاء (ولا نقول العدالة) عندنا مريض قبل الثورة وبعدها وانه ترنح أحيانا بين طرفي النقيض هذين فأسهم في إضعاف الثقة فيه والشك في أحكامه خاصة عندما يتعلق الأمر بالأقوياء المنتصرين أو الأقوياء سابقا والمنهزمين اليوم علاوة على مواطنين كُثرُ نالهم الضيم إما بالإفراط أو بالتفريط ..
إن الحكم على الحالات الفردية والسياقات التي تحف بها وخاصة وجود التعاطف من عدمه مع المظنون فيه لا يستقيم إلا متى تأقلم مع السياق المبدئي العام ووفّق في تجاوز هذين الانحرافين : الإفلات من العقاب أو الحكم بالظنة وفق رغبة المنتصرين.
القضاء العادل الناجز هو بلسم كل المجتمعات الجريحة وهو الذي يسمح ببناء القواعد المقبولة للعيش المشترك.. هذا على المستوى النظري العام لكن واقع المجتمعات يحيلنا على وضعيات أعقد بكثير حيث تكون في القضاء نفس الآفات التي تشق المجتمع ولكن بمخاطر ارفع بكثير لأنها في جوهر بناء العيش المشترك ..
ما العمل في هذه الحالة ؟ الحل الجماعي معقد للغاية ولكن الحل الفردي المتاح لنا جميعا هو التمسك القوي بالمبادئ أولا وأخيرا فهي نبراسنا الوحيد في هذا الزمن الحالك.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا