الاستشارة الشعبية الالكترونية: نقطة ارتكاز مشروع الرئيس «تتعثّر»

وضع الرئيس كل ثقله ليفرض تصوره للحوار وآلياته. فمنذ ان تقدم اليه الاتحاد العام التونسي للشغل بمبادرته في نوفمبر 2020 ظل الرئيس

حريصا على ان يسوق للحوار غير التقليدي مع الشباب عبر منصات الكترونية لا يقتصر دورها على منحهم فضاء للتعبير عن مطالبهم بل منحهم السلطة ليقرروا مصيرهم.

بهذا الاخراج سوق الرئيس لتصوره للحوار مع الشباب وجعله نقيضا كليا للحوارات السابقة التي كال لها النعوت والأوصاف وجعلها بمثابة «مؤامرة» لاقتسام السلطة ومراكز النفوذ. تصور حافظ عليه الرئيس الى ان منحته لحظة 25 جويلية اليد العليا في السلطة فقرر ان ينطلق حواره في «الاستشارة الشعبية الالكترونية» يوم 1 جانفي الجاري كمرحلة اولى في خارطة طريق تنتهى باجراء انتخابات تشريعية في 17 ديسمبر اقادم.

الاعلان عن تفاصيل الاستشارة الشعبية والتسويق لها على انها انتصار للشعب استمر في مناسبة اقتنصها الرئيس الى ان تقدم وزير تكنولوجيات الاتصال بعرض للمنصة الموعودة وما تحمله من محاور واسئلة ومساحات تعبير حر، اضافة الى الخطوات التقنية التي يجب اتباعها لتسجيل الدخول في المنصة.
هذا التقديم الرسمي للحوار كان وحده كفيلا بالكشف عن ان حوار الرئيس تعثر قبل ان ينطلق بسبب اخلالات تقنية اجبرت وزارة الاتصال على ان تؤجل الانطلاق الى 15 من جانفي الجاري، واستغلال الاسبوعين الفاصلين بين التاريخين لإجراء عمليات بيضاء في دور الشباب بمختلف الولايات الـ24.
عمليات لم تكشف الوزارة عن اي معطى عنها باستثناء ما تقدمه المنصة من معطيات اولية، تجعل من الاستشارة الشعبية «امتحانا» جزء على 6 محاور حمل كل منها 5 اسئلة مع مساحة تعبير حر للمشاركين الذين وجدوا انفسهم يتفاعلون مع 30 سؤالا وزعت على محاور اولها «الشأن السياسي والانتخابي»، فـ«الشأن الاقتصادي والمالي» و«الشأن الاجتماعي» ورابعا «الشأن التعليمي والثقافي» ليكون المحور الخامس «الصحة وجودة الحياة» وأخيرا محور «التنمية والانتقال الرقمي».

هذه البداية المتعثرة التي سوقت في شكل «عملية بيضاء» تضع الرئاسة بصفتها جهة المبادرة وجها لوجه مع «ازمتها» التي ساقت نفسها اليها. فما يهدد الاستشارة الشعبية ليست يعد عثراتها التقنية والثغرات التي سجلت، بل هو نتاجها السياسي اي مخرجها وكيفية تقديمه للتونسيين بعد ان واكبوا بدايتها التي لم تكن محل توافق واسع بين الفاعلين في المشهد.

فالمخرجات المنتظرة من الاستشارة الشعبية -و هي الرهان الفعلي للرئاسة - ستكون «نواة» الدستور الجديد الذي سيعيد رسم النظام السياسي وتشكيل المشهد التونسي. وهذا يعنى انها ستكون مطالبة بتنقية كل الشوائب التي تطال مبادرتها لضمان «مشروعية» لاحقة في تسويقها سياسيا.
فالاستشارة الالكترونية ليست مجرد منصة لمنح التونسيين -وخاصة الشباب- مساحة للتعبير والتقرير بل هي خطوة اولى في مسار سياسي يفترض به ان ينهى في 17 ديمسبر القادم «حالة الاستثناء» ويقود البلاد للوضع الطبيعي، بعد سنة و5 أشهر من وضع استثنائي.
لهذا فان تعثرها لا تنحصر تداعياته على المنصة او الجانب التقني والفني، بل تنعكس على كامل المسار وتسلط ضغطا اضافيا على رئاسة الجمهورية التي تضع نفسها اليوم في اختبار هو الاول منذ 25 جويلية، وهو اختبار مشروعيتها في الشارع ومشروعية مسارها المعروض.
فالاستشارة الشعبية اول خطوات الرئيس في مساره السياسي الخاص، يسلط عليها ثقل كامل المسار. اذا تمت بنجاح او باقل اخطاء وتعثرات ممكنة ستكون لدى الرئيس ورقة لعب اضافية يجابه بها خصومه السياسيين المعترضين على خارطة طريقه والرافضين لتمشيه الاحادي الذي يحد من امكانيات المراجعة و التعديل ويفرض نهجا وحيدا للخروج من ازمة سياسية.

هذا النهج اذا تعثرت أولى خطواته سيكون الرئيس قد خسر رهانه كليا. لذلك قد يكون من الاجدى ان يقع النظر للعثرة التقنية كـ«هدية اخيرة» لمراجعة بعض النقاط وتوفير ارضية نجاح مساره السياسي بانفتاحه خلال الايام القليلة القادمة على أراء مختلفة عنه وتعديله لشكل الحوار وجعله من روافد عدة يكون من بينها «الحوار السياسي» الذي تشارك فيه الاجسام الوسيطة.

إما هذا او ان الرئيس سيضع كامل مساره في مرمى النيران التي لن تخطئ اصابته في ظل تعثرات البداية والكشف عن تخبط اصاب العملية السياسية برمتها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا