في الاجتماع الثالث لمجلس الوزراء: أولويات الرئيس .. وأولويات البلاد دعوة «المواطنين الصادقين» إلى «تطهير البلاد» ومخاطر الخروج عن دولة القانون

أشرف رئيس الدولة قيس سعيد يوم أمس على المجلس الوزاري الثالث في حكومة نجلاء بودن وعرض في كلمته الافتتاحية جملة الأوامر والملفات التي يريد ايلاءها

الأولوية المطلقة في هذه المرحلة وهي على التوالي الصلح الجزائي ومرسوم في اختصار آجال البت في تقارير دائرة المحاسبات المتعلقة بالانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2019 وإحداث صنف جديد من الشركات لتمكين المواطنين من استغلال الأراضي الفلاحية للدولة ومرسوم آخر يتعلق بعائلات شهداء الثورة وجرحاها ومسألة البذور باعتبارها من مقومات السيادة الوطنية ولعل من أهم نقاط هذا المجلس «القيام بجرد شامل ودقيق للهبات والقروض التي تحصلت عليها تونس في السنوات الفارطة والتي لا أثر لها في الواقع».

وقد أذن رئيس الدولة لوزيرة العدل «بإعداد مشروع يتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء» وهي نقطة موجودة في بيان الرئاسة ولا أثر لها في التسجيل المصور لكلمة الرئيس ..
هذه أهم أولويات الرئاسة اليوم كما يتبين ذلك في كلمة رئيس الجمهورية وفي جملة المراسيم التي تشتغل عليها مصالح قرطاج .

هنالك ولاشك خيط رابط بين جميع هذه المسائل وهو إحداث تغيير جذري في المشهد السياسي كترتيب الآثار الجزائية على المخالفات أو الجرائم الانتخابية والتي قد تؤدي إلى إسقاط كلي أو جزئي لقائمات أحزاب التحالف الحكومي السابق وخاصة النهضة وقلب تونس كذلك تغيير هام (؟) في السلطة القضائية عبر تنقيح أو تبديل النصوص القانونية المنظمة للمجلس الأعلى للقضاء. هذا هو الجانب الأول، أما الجانب الثاني فيتعلق بتطبيق ما يتصور قيس سعيد انه المنوال التنموي الجديد والمتمثل هنا في إحداث شركات من «صنف جديد» توزع بمقتضاها الأراضي الفلاحية على المواطنين بدل تسويغها «الزهيد» لكبار المستثمرين والحال أننا نملك قانونا هاما للاقتصاد الاجتماعي والتضامني يحتاج فقط إلى نصوص تطبيقية ثم يريد قيس سعيد تمويل الاستثمار العمومي عبر «الصلح الجزائي» الذي ينادي به منذ سنة 2012 وأخيرا تتجه النية إلى إثبات نهائي لولوغ كل أو جلّ حكام العشرية الماضية في المال العمومي عبر طلبه الملّح من وزيرة المالية بالقيام بجرد دقيق في كل الهبات والقروض التي حصلت عليها الدولة في هذه السنوات الأخيرة..

نحن هنا أمام عناوين كبرى وسنحكم على كل هذه المشاريع إثر صدور هذه النصوص القانونية الجديدة والتي لن تناقش – إن نوقشت – إلا أمام مجلس الوزراء فقط لا غير ولكن ماذا عن القضايا الملحة المطروحة اليوم على عموم التونسيين ؟ لا شيء، أو يكاد ..
ماذا عن تكدس الفضلات منذ حوالي الشهر في ولاية صفاقس ؟ نجد فقط أن رئيس الدولة «حث على تجاوز كل العراقيل من أجل إيجاد حل سريع لهذا الوضع غير المقبول بالمرّة» .

كيف يمكن للسلطة التنفيذية المتحكمة اليوم في كل دواليب الدولة أن تقول هذا بعد شهر كامل من تكديس الفضلات ؟ الم يكن ممكنا إيجاد حلّ ولو وقتي منذ الأيام الأولى للازمة؟ من يمنع السلطة التنفيذية اليوم من أخذ قرارات استثنائية- ونحن في حالة استثناء - لمجابهة هذا الخطر الداهم والجاثم اليوم على الولاية الثانية في تونس من حيث وزنها الديمغرافي والاقتصادي؟ ولمَ لم يخصص مجلس وزاري عادي أو استثنائي أو أي شكل من أشكال التنسيق لإيجاد حل وقتي وفوري لصفاقس ووضع خارطة للمخاطر البيئية من هذا الصنف في كل ولايات الجمهورية ؟ إن واقع صفاقس اليوم هو صورة للمستقبل القريب لولايات عديدة لأن نفس الأسباب (امتلاء المصبات القديمة وغياب مصبات جديدة) ستؤدي حتما إلى نفس النتائج .

ثم أين هي الميزانية التكميلية لسنة 2021؟ وكيف سنوفر الموارد المالية الضرورية لتغطية ما تبقى من هذه السنة ؟ وماهي الاختيارات الأساسية للدولة في ميزانية سنة 2022 ؟ هل ستدخل تغييرات على المنظومة الجبائية مثلا أو على منظومة الدعم ؟ هل سننتدب في الوظيفة العمومية ؟ ماهو حجم استثماراتنا العمومية وماهي نوعيتها ؟ ماذا سنفعل مع تفاقم مديونيتنا الخارجية ؟ هل ستلجأ الحكومة إلى سياسة تقشفية كما أوصى بذلك رئيس الدولة أم لا ؟ أسئلة عديدة تهم وضعنا الآني ولا نجد لها بداية أجوبة ولا حتى بداية اهتمام واضح خاصة وأن السلطة التنفيذية اختارت ألا تجيب التونسيين عن كل هذه القضايا وأن تشتغل فقط بالبيانات وبالفيديوهات بالنسبة لقرطاج وببيانات باهتة ومتأخرة في القصبة .
ولكن الأخطر ما جاء في الكلمة الرئاسية وهو دعوة قيس سعيد «الوطنيين الصادقين» إلى «تطهير البلاد» من هؤلاء الذين نهبوا وافسدوا ..ما معنى هذا الكلام ؟ ! ومن هم هؤلاء «الوطنيون الصادقون»؟ وكيف سيطهرون البلاد ؟ !

إن إطلاق الكلام على عموميته دون تحديد الإطار القانوني (كالتبليغ عن الفساد مثلا وفق القانون) إنما يفتح على مصراعيه باب - لا فقط - التجاوزات الفردية أو الجماعية بل الخروج كلية عن دولة القانون بـ«تحرير المبادرة» لهؤلاء «الوطنيين الصادقين» أي أنصار الرئيس لكي يطهروا البلاد !!
قد تكون هذه الكلمات تجاوزت القصد الرئاسي وفي هذه الحالة وجب التوضيح السريع وأنه لا يحق لأحد أن ينتصب مكان الأمن أو القضاء، وأن من يجرؤ على ذلك سينال العقاب الرادع والمناسب لأفعاله، أما لو كان القصد يتناغم مع عموم اللفظ فستكون بلادنا قد دخلت بقوة في مرحلة التطاحن الداخلي ..
لا نريد التهويل ولكن الخطابات الحماسية والتي تجيّش العواطف وتدعو إلى الفرز إنما هي مدخل إلى كل المخاطر والى كل المتاهات .
مشاكل البلاد ليست مستعصية والحلول موجودة شريطة تحكيم العقل والمصلحة وقيم العيش المشترك .
نحن نتدحرج إلى الوراء ولكن يبقى الأمل قائما في استفاقة الجميع .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا