من أولويات الحكومة الجديدة: المستعجل والعاجل و الآجل في القضاء ...

يلاحظ المتمعّن في تشكيلة حكومة السيدة نجلاء بودن أنها ضمت 10 نساء في وزارات هامة شملت خاصّة العدل والمالية والاقتصاد و التجارة والصناعة والطاقة والتجهيز والإسكان.

وتعتبر هذه الحقائب الوزارية فاعلة و مؤثرة من منظار التدخل المباشر في مجال التنمية والاقتصاد والبنية التحتية و الشأن الاجتماعي عموما، وكذلك في مجال العدل حيث حظيت وزارة العدل بترتيب سيادي متميّز حسب ما جاء في الأمر الرئاسي عدد 117 المؤرخ في 22 سبتمبر 2021 رغم الصبغة الاستثنائية والوقتية للفريق الحكومي .

هذه الحظوة بدت تجلياتها في مختلف تدخلات رئيس الجمهورية عند تعرضه الدائم لمكافحة أو مقاومة الفساد وفي تدخلات العديد من السياسيين و الخبراء والمختصين، وهو اهتمام مُبرر عند النظر في ما تستلزمه القراءة المستقبلية لكيفية حل الإشكالات القانونية وفض الملفات المطروحة في مختلف المجالات. لذلك لن نضيف جديدا إذا قلنا أن من الأولويات الحارقة للحكومة الجديدة ملف القضاء والّذي ما فتئنا نؤكّد على أهميته طوال السنوات الماضية، دون أن تبرز إرادة صادقة للإصلاح والتغيير، ودون إدراك للحكومات المتعاقبة لمتطلبات تركيز منظومة متطورة قادرة على إرساء مقومات العدل والعدالة. بل يمكن الجزم بأن ما شهدناه هو العكس تماما، إذ أمكن معاينة و متابعة كل أشكال عرقلة القضاء والتحكم في مساره و مصيره.

هذه الحقيقة لا تبرّر تناول هذا الملف الحارق بتسرّع أو تشنج أو بردود فعل متسرّعة، بإعتبار أن خصوصيات القضاء مرتبطة بما يجعله يؤدي مهامه بصفة مستمرة ومترابطة، ويرتبط أداؤه أو تقييم هذا الأداء بثقة المواطن في القضاء و الاطمئنان إليه في زمن محكوم بآثار هامة للعمل القضائي الّذي ينفذ لحقوق الأفراد والجماعات بما في ذلك الدولة بصفتها حامية لحقوق المجموعة الوطنية.

وهذا يتطلب تقييم أداء المجلس الأعلى للقضاء الّذي أسندت إليه مهام إدارة شؤون القضاة و مسارهم المهني، ولكن أداءه كان بطيئا و غير محقق لما كان ينتظر منه. كما يتطلب الأمر تقييم أداء وزارة العدل (العلبة الصدئة) الّتي إستبقت في ظل التشريعات الجديدة ،صلاحيات تسطير السياسة الجزائية والتنظيم الإداري القضائي ومراقبة مختلف المكونات الّتي شملها التظيم القضائي الجاري به العمل، كذلك النظر في الملفات الّتي تنطوي على شبهات فساد و فساد مشهود به، بعضها مشهود به في قضايا ذات خلفيات سياسية وقضايا فساد مالي ، لم يستثن فيها أي مجال عام أو خاص.

هذا الملف يشمل العديد من الأشغال الكبرى ، الّتي يجب أن تتوفر لها الآليات الكفيلة بوضع منظومة جديدة متطورة تتخلى عن الآليات القديمة المتهرئة الّتي كشفت عن عجزها عن تحقيق متطلبات العمل القضائي الناجز لطمأنة العامة، والتشجيع على الاستثمار والعمل دون مخاوف من عدم حماية الحقوق بمفعول الفساد الّذي تسرب للسطلة القضائية في ظل مفاهيم خاطئة للعمل القضائي وبسبب حشره في المجال السياسي بطرق مختلفة يضيق المجال لتعدادها.

غير أن هناك عدّة مسائل مٌستعجلة،لا تحتمل الانتظار، مثل مباشرة رئيس محكمة التعقيب لمهامه ونشر الحركة القضائية بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، بعد توقيع رئيس الجمهورية عليها قبل نشرها وهي حركة شملت حوالي 250 قاضيا والعديد من التسميات والنقل لعدد هام من القضاة. هذا النشر يستدعي الاستعجال لعدّة أسباب خطيرة ، منها إضفاء سلامة الأعمال القضائية الّتي عهدت للقضاة الّذي باشروا أعمالهم منذ 16 سبتمبر 2021 والّذين بدؤوا يضطلعون بملفات قابلة للبت فيها، وخاضعة لإجراءات الطعن. كما أن عدم نشر الحركة بالرائد الرسمي يحول دون تمتيع القضاة الجدد بجراياتهم لمستلزمات المحاسبة العمومية وشروط صرف الجرايات. فضلا على ذلك فإن بعض القضاة ينتظرون نشر الحركة لاستعمال حقهم في الإعتراض وما ينجر عن ذلك في صورة عدم قبول الاعتراض باعتبار توفر إمكانية الطعن لدى المحكمة الإدارية. مثل هذه المسائل لا تقبل الانتظار لا لارتباطها بشؤون عدد لا بأس به من القضاة فقط، بل لكونها ترتبط بمصالح المتقاضين وسير مرفق العدالة.

بخصوص مقاومة الفساد الّذي كثر الحديث عنه تحت عنوان «تطهير القضاء» أو تحت عناوين مشابهة، فقد كشفت بعض المساعى السابقة، أنه من الخطإ معالجة الملفات بتسرّع و دون إحترام الإجراءات القانونية المنطبقة ، الدفع نحو الاستقالة أو باستعمال آلية الإعفاء الّذي يجرف المجموعات بدل المحاسبة الفردية و إعمال ما يقتضيه القانون في التتبعات ، من ذلك الإحالة على مجلس التأديب و رفع الحصانة إذا اقتضى الأمر ذلك ثم المحاكمة العادلة . والدليل على عدم صحة التمشي السابق ، نقض جل القرارات الّتي تم الطعن فيها ، بعد فترة طويلة من التقاضي. فالمطلوب إذن هو المحاسبة طبق الآليات المتوفرة أو التي يجب توفيرها ، مع توفير مستلزمات الحياد و لو بهيكلة جديدة ، و ليس بالتطهير كما يُروّج ُ إلى ذلك .

هذه المحاسبة الّتي يجب تفعليها بكل حزم، لا تتوقف على القضاة والعاملين في الإدارة القضائية فحسب، بل يجب أن تشمل مختلف الهياكل المتدخلة بما في ذللك وزارة العدل ، وهو ما يتطلب التدقيق في الأموال التي منحت من دول و مؤسسات دولية في قالب تمويلات لإصلاح القضاء أو لتأهيله، وهي أموال كثيرة ، لم تظهر نتائجها في تحسين أوضاع القضاء التي بلغت تدهورا كبيرا على مختلف المستويات سبق أن تناولناه في عدّة مقالات.
فالشأن القضائي يحتاج اليوم ، إلى إجراءات مستعجلة و عاجلة لتخطّي مستلزمات السير العادي بسرعة ، ثم التفكير في إصلاحات هيكلية عاجلة ، وأخيرا الإنتقال إلى تخطيط مُحكم، لمعالجة أعمق لأوضاع القضاء بمختلف مكوناته ،دون شعارات فضفاضة ودون حشره في الشأن السياسي ، لأن المطلوب من القضاء تطبيق القانون واحترام المقاييس الوطنية والدولية في المحاكمة العادلة الّتي تتوفر فيها كل الضمانات للمتقاضين . ونعتقد أنه لا نجاح لأي إصلاح أو تصحيح للمسار هذه الحكومة والحكومات التي ستليها دون إصلاح القضاء بمختلف منظوماته . بل أن الإصلاحات السياسية الّتي نحن بصددها بعد 25 جويلية 2021 لن يكتب لها النجاح دون تغيير العقلية السائدة في القضاء و في طرق أدائه ، وإحداث ثورة في العديد من المفاهيم ، الّتي تخلّص القاضي من عقلية الإداري وزرع عقلية صاحب السلطة فيه كفاعل في إقامة العدل عبر التطبيق السليم للقانون دون أن يكون تابعا أو خاضعا للأفراد ، بحيث يتعمّق إيمانه بالمؤسسات الدائمة ويتخلّص من المؤثرات العابرة بما في ذلك مؤثرات الشارع أو الحاكمين أو المتحكمين فيه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا