وأخيرا تم الإعلان عن حكومة نجلاء بودن: التحديات .. والتحديــــات

بعد شهرين ونصف تشكلت أخيرا الحكومة،حكومة الرئيس بكل ما في الكلمة من معنى إذ جرى كل شيء فيها وفق «التدابير الاستثنائية» أو بالأحرى التنظيم المؤقت للسلط العمومية

الذي صدر في أمر رئاسي يوم 22 سبتمبر الماضي ،وهي كذلك – رغم كل شيء – حكومة السيدة نجلاء بودن التي كلفت بتشكيلها – أو باستكمالها – منذ أقل من أسبوعين.

كيف يمكن أن نقيم هذه الحكومة الجديدة ؟
هنالك طبعا المسائل الرمزية : أول رئيسة حكومة في العالم العربي ولحكومة بنسبة تأنيث عالية (حوالي %40)،ولكنها حكومة التدابير الاستثنائية ذات الشرعية المتنازع عليها كذلك،حكومة مؤقتة ضرورة ولكن دون سقف زمني إلى حدّ الآن ..حكومة ضمت موالين لرئيس الدولة في مواقع حساسة وأساسية إضافة إلى كفاءات علمية وأكاديمية كانت - إلى حد تعيينها - بعيدة عن عالم السياسة والمسؤوليات الحكومية ..
لن تُحاسب نجلاء بودن على رمزيتها أو على التشكيك في شرعيتها أو على خبرة كل مكوناتها ..ستحاسب هذه الحكومة أساسا على قدرتها على معالجة الملفات المالية والاقتصادية والاجتماعية الحارقة التي توجد الآن – أو هكذا ينبغي أن يكون – في سلّم أولوياتها ..
منذ لحظة أداء اليمين ستكون السيدة نجلاء بودن أمام تحديات ضخمة: كيف ستغطي الحاجيات المالية للدولة خلال هذه السنة والتي تقدر بحوالي 10 مليار دينار أو تزيد ؟ من أين ستأتي بهذه الأموال ؟ السوق الداخلية غير قادرة على تلبية ولو جزء بسيط من السيولة الضرورية،واللجوء إلى الأسواق المالية انتحار فهل سنقترض مباشرة من بعض الدول الشقيقة والصديقة ؟ وإذا كان الأمر كذلك فوفق أية شروط مالية وسياسية ؟
هل ستتجه نجلاء بودن إلى صندوق النقد الدولي؟ وإذا فعلت ذلك فهل ستقبل تونس بالإصلاحات التي يريدها الصندوق والتي تناقض جذريا ما يبدو انه خيارات رئيس الدولة؟
الأهداف الخمسة التي أعلنتها صاحبة القصبة الجديدة يوم أمس لا تعدو أن تكون الا شعارات عامة وهي كذلك لا علاقة لها البتة بالوضعية المالية والاقتصادية للبلاد،والخشية هنا أن يكون الخطاب العلني في واد والسياسات العمومية الفعلية في واد آخر ..
حكومة نجلاء بودن حكومة مؤقتة بالضرورة تنتهي مهامها بنهاية المرحلة الاستثنائية .

ولكن مادمنا لا نعلم مدة هذه المرحلة سيكون من العسير جدّا ضبط أولويات الحكومة، فحكومة لستة أشهر أو لسنة لايمكن أن تشتغل كما تشتغل حكومة لثلاث سنوات،فعدم التسقيف الزمني للتدابير الاستثنائية سيكون إشكالا ضخما لا للبلاد عامة ولا للطبقة السياسية خاصة بل وللحكومة على وجه الخصوص.
الأمر يتعلق هنا بالإصلاحات الضرورية في كل المنظومات المالية والاقتصادية والاجتماعية، والإصلاحات تستوجب فترة زمنية معقولة لكي تتبلور وتبدأ في التنفيذ .
الأغلب على الظن أن حكومة نجلاء بودن ستكون – كسابقاتها – تحت ضغط الزمن والمطلبيات المتنوعة والمتناقضة خاصة وأن سقف الانتظارات مرتفع للغاية،والأسئلة هنا واضحة وبسيطة :

• كم هو عدد الانتدابات في الوظيفة العمومية في السنة القادمة ؟
• هل سيتم الترفيع في الأجور؟
• هل سنتمكن من الضغط على الأسعار ؟

بعبارة أخرى هل ستتحسن الوضعية المالية للأسرة التونسية أم سنطلب منها - مرّة أخرى- أن تؤجل انتظارتها أو حتى أن تقبل بالحدّ من بعض المكاسب التي حصلت عليها ؟
أسئلة كثيرة تنتظر إجابات واضحة ودقيقة في الأيام القليلة القادمة، ولكن كل هذا لن يعفي الحكومة الجديدة من مسؤوليتها السياسية في الحفاظ على الحقوق والحريات وفي العمل الجدي للخروج في أسرع الأوقات من هذه المرحلة الاستثنائية.
قد يكون من الظلم تحميل هذه الحكومة الجديدة كل هذا الكمّ الهائل من التحديات،ولكن الحكومة إنما جعلت لإدارة الشأن العام ولمعالجة مشاكل البلاد..ومشاكل وأزمات تونس متعددة وهي تنتظر من أصحاب السلطة اليوم بدايات الحلول ..
لننتظر الآن الخطوات الأولى عسى أن تبعث الأمل في البلاد من جديد ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا