في ظرف صعب للغاية: كيف نتجنب حالة «الحصار» في الأذهان ؟

المترجل في شارع بورقيبة بتونس العاصمة الّذي أصبح رمزا لطريق الحرية ،بعد أن كان يوحي بتحرر التونسيين، يحصل له الانطباع بأنه في حالة حصار و أن هدوءه

في حالة إنحسار. هذا الانطباع يزداد عمقا عندما يجوب المرء بعض الشوارع والأنهج المتاخمة و هو يبحث عن ممر بين الحواجز الحديدية و المكعبات الحجرية الوردية(لونا) المليئة بالأتربة البنية وأعقاب السجائر ومختلف الفضلات والمحاطة بالأوساخ والأكياس ذات الألوان المختلفة أمام مشاهد الأسلاك الشائكة على أسيجة مقرات بعض السفارات أو المنشآت الحكومية والعمومية. ما أقبح تونس على هذه الشاكلة .

يزداد المشهد قتامة و ضغطا على النفس ، عندما يتصفح المرء الوجوه الّتي يسعى أصحابها في تثاقل و قلق لقضاء حاجات نهاية أسبوع 9 أكتوبر 2021 قبل يوم تتوعد بعض الأصوات بأنه سيكون يوما حاسما في مصير البلاد .
هذا المصير الّذي بشرت وجوه متحفزة منذ عشر سنوات ، بأنه سيكون محمّلا بتحقق كل الأماني في عيش كريم و في كرامة وطنية وتقدّم وسؤدد في ديمقراطية ناشئة قيل أنها ستكون مثالا للإرادة الخلاقة وللإصرار.
ولكن تكسّرت أحلام كثيرة في ظل سياسات الترويكات المتعاقبة ، وتجدّد الأمل لدى فئات واسعة من التونسيين بعد 25 جويلية 2021 ، في توق لتصحيح المسار و استنهاض العزائم الّتي تهرّأت و كلّت .

بدأت ساعات انتظار الإنفراج في مناخ متقلب تعدّدت فيه التجاذبات وبرزت فيه محاولات التشكيك و تفككت فيه وحدة السعي لإنقاذ البلاد و مراجعة المناهج التي اتضح فشلها ، وعاد التونسيون إلى مشاهد الحصار ، الّذي لم يعد ماديا فقط للتوقي من مخاطر الإرهاب ، بل أصبح ذهنيا تبرز ملامحه في مختلف المنابر و في التعبير عن مختلف المواقف وفي كشف مشاريع الحلول الّتي تنفذ لتحقيق المنشود وتخليص البلاد ممّا هي فيه .
لا أحد يغفل المتغيرات العالمية و ما أحدثته جائحة كوفيد 19 في أغلب الدول و لو بدرجات متفاوتة الخطورة ، و لكن لا يخفى على أحد ، أن إرادة الشعوب و نخبها قادرة على تجاوز المصاعب ، و لكن لا يتمّ ذلك بالتمني و التعبير عن حسن النوايا ، وأن لا فائدة تُرجى من الشعارات ما لم تكن مصحوبة بالفعل الجاد والعمل الكفيل بتغيير الأوضاع.
نقول هذا اليوم ، و بعض الأصوات تتعالي لتعلن في يوم الحسم ، ولكن لا أحد يفكر أو يدري في أي اتجاه سيكون ذلك ، رغم أن الجميع يملكون كل المعطيات المتعلقة بأوضاع البلاد و بالأزمة الّتي تتخبّط فيها، وبأن التطاحن لا يقود إلا ّ إلى الأسوإ خاصة إذا كان إنفعاليا غير حامل لأي مشروع ولا يملك حلولا وتصورات تنقذ البلاد.

هذا هو الحصار الذهني الّذي يعيشه التونسيون ، في مشهد تتوالد فيه الأفكار دون رصيد خلاق يتضمن الحلول الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العاجلة ،و إنما تتكرّر فيه إرتسامات مشاريع يكثر فيها التساؤل والتنظير و النقد واللّوم وبث الأوهام ، بحيث يطغى الردّ على المشاريع و الأفكار ، بدل البناء، والإنماء. كل ذلك يُقدّمُ بإسم الشعب، دون الإلتفات إلى خصوصيات هذا الشعب ودون تقدير لقدرات البلاد و إمكانياتها، وفي مقارنات لا تستقيم بخصوص تطبيق نماذج للحكم لا تتوفر مقوماتها و لا أسس بنائها في تونس . إذ أن التمثيلية المباشرة و التشاركية في الحكم ، تقتضيان وجود أرضية مناسبة للتطبيق ،يكون فيها المجتمع قد راكم العديد من التجارب، بحيث تكون فيها مؤسسات الدولة قائمة و راسخة و يكون فيها القانون مطبقا على الجميع و يكون فيه القضاء سلطة فعلية مستقلة و عادلة، و حصنا قويا و ملاذا لكل التونسيين دون أي إعتبارات حزبية أو سياسية و يكون فيها المجتمع المدني رقيبا وضاغطا في نفس الوقت و معبّرا فعليا عن تطلعات مختلف فئات الشعب. هذا الشعب إذا تشكلت فيه أغلبية لمنح الثقة للماسكين بالسلطة ، فإن من كان في أعلى الهرم ، مطالب بأن يكون حاكما بإسم الجميع و ضامنا لحقوق الجميع و ساعيا لما فيه مصلحة الوطن قبل كل شيء.
كل هذا يقتضي من المجتمع السياسي فك الحصار بمختلف أشكاله عن التونسيين وعن الشوارع ، لا لتغص بالتداول عليها ، بل لتتجمّل شوارع تونس الجمهورية المدنية في كل جهاتها و تتجه فيها الإرادة الصادقة كي يتحّرر الخلق و الإبتكار لترميم البناء ووضع دعائم صرح جديد صلب، بعزيمة واقتدار ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا