حتى لا نعيد أخطاء العشرية الماضية

يبدو أننا لا نتعظ كثيرا من تجاربنا السابقة،فترانا باسم القطيعة مع «المنظومة السابقة» نعيد نفس أخطائها وأحيانا بنفس

الأشكال وحتى بنفس الأشخاص رغم تغيير المناخات والسياقات.
الخطأ القاتل للمتنفذين في العشرية الأولى للثورة التونسية وعلى رأسهم حركة النهضة الاسلاموية اعتقادهم أن التفويض الشعبي المشروط في الانتخابات يسمح لهم بتغيير جذري لقواعد العيش المشترك (انتخابات المجلس التأسيسي نموذجا) وكان ذلك بتوهمهم أن الشعب التونسي يريد «أسلمة» الدولة والمجتمع وأن انتصارهم في انتخابات أكتوبر 2011 تفويض مباشر لذلك.
ومن الأخطاء القاتلة للعشرية السابقة كذلك التنكر للتعهدات والالتزامات التي قطعتها بعض الأحزاب على نفسها من صنف تسقيف المدة الزمنية لصياغة الدستور سنة (2011) كذلك الالتزام أمام ناخبيها بعدم التحالف مع الخصم (2014 و2019 ) .
ولكن يبقى الخطأ الأكبر تبرير التطرف والتشريع للعنف الذي شهدته البلاد زمن حكم الترويكا وبروز جماعات «رابطات حماية الثورة» غير المأسوف عليها وبلطجتها واعتداءاتها المتكررة على كل المخالفين للترويكا الحاكمة والاعتداء بالعنف على اجتماعات الأحزاب المعارضة ومناخات التكفير التي سادت آنذاك والتهديد بالقتل الذي طال سياسيين ومثقفين وإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني وتحول هذا العنف الى سحل في الشارع (الشهيد لطفي نقض) وقد دخلت على الخط جماعات الإرهاب السلفي الجهادي المعولم واغتيالها لسياسيين وأمنيين وعسكريين وسياح ومواطنين ونصب الخيمات «الدعوية» واستهداف الإعلام خاصة تحت ذلك الشعار البغيض «إعلام العار» .. وحتى عندما خفتت حملات العنف لم تهتم الأحزاب المتنفذة خلال العشرية السابقة بمشاكل البلاد بل دخلت في محاصصات حزبية وفي توزيع غنائمي لوظائف الدولة وتبادل المصالح والمنافع، وقد أخذ هذا الاتجاه منحى تصاعديا بعد انتخابات 2019 وكانت النتائج الكارثية صحيا واقتصاديا وأخلاقيا، كل هذا أدى إلى انهيار هذه المنظومة حتى قبل إقدام رئيس الدولة على اتخاذ جملة من التدابير الاستثنائية وفق قراءته المتوسعة والمغالية لما يسمح له به الفصل 80 من الدستور التونسي ..
أخشى ما نخشاه هو أن نعيد نفس أخطاء الماضي ولكن بصيغ وأشكال جديدة / قديمة وهذا ما تدل عليه كل المؤشرات إلى حدّ الآن من عدم التقيد بالالتزامات السابقة (القسم باحترام الدستور ) ورفض تسقيف فترة سريان التدابير الاستثنائية واعتقاد أن التفويض الشعبي في الانتخابات الرئاسية في 2019 وشعبية الرئيس اليوم الواضحة والجلية يسمحان له بتغيير جذري لقواعد العيش المشترك بصفة انفرادية ..
ثم إن اللجوء إلى معجم حربي يركز على التخوين والحشرات والدسائس والعمالة وتجويع الشعب وتفقيره والرغبة في «تطهير» البلاد و«تطهير» القضاء وغدا «تطهير» بقية القطاعات الأخرى كل هذا من شانه أن يخلق سياقات من الشحن والتوتر بما يبرر خطابات الكره والعنف عند بعض الأنصار المتحمسين ،والعنف يبدأ دوما لفظيا ولكنه سرعان ما يتحول إلى اعتداءات جسدية إلى أن تحصل الكارثة وندخل من جديد إلى مربع الدم ..
نحن على يقين بأن تجنب الأسوإ مازال ممكنا وأن البلاد تحتاج إلى إصلاحات جذرية في كل القطاعات لا إلى «تطهير» يقصي المختلف والمعارض من عملية البناء المشترك ..
لطالما أكد رئيس الدولة أنه لا خوف على الحقوق والحريات ولكن البلاد تحتاج إلى تأمين فعلي لهذه الحقوق والحريات وهذا لن يكون إلا بالابتعاد نهائيا على خطاب التخوين والانفراد بالقرار ورفض التشاركية ..
إن للكلمات وقع يتجاوز أحيانا قوة السلاح ..
تونس بحاجة إلى الاطمئنان وتأطير الخلاف وضمان قواعد العيش المشترك ،فلا إصلاح في أي مجال كان دون هذه الأساسيات ..
رغم كل شيء الأمل مازال قائما ،فنحن لا نملك إلا أغصان الزيتون فلا تسقطوها من أيايدينا ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا