الإسلاميون: من «الصعود» إلى سدّة الحكم إلى «الهزيمة»

شغلت الإجراءات الاستثنائية/الانقلاب وخطّة الطريق والمستقبل السياسي لقيس سعيد اهتمام الإعلاميين التونسيين لمدّة تجاوزت الشهر

رغم أنّ الأحداث التي تهيمن على الإعلاميين في العالم هي ما يجري في أفغانستان والإرباك الحاصل في الكنغرس الأمريكي وما يحدث في سوريا وليبيا وغيرها من البلدان. ولنا أن نتساءل أإلى هذا الحدّ هيمن حدث 25 جويلية على الإعلاميين فجعلهم لا يكترثون بما يجري من حولهم إلاّ لماما؟ ثمّ كيف استطاع الرئيس «قيس سعيّد» أن يستحوذ على اهتمام أغلب الإعلاميين ويتحكّم في «جدول أعمالهم»، وهو الذي رفض منذ توليه السلطة، التفاعل معهم/نّ وفق «التقاليد» المعمول بها؟

سؤالان يطرحان مع كلّ يوم نطالع فيه عناوين الصحف أو نستمع فيه إلى الحوارات السياسية أو نشاهد فيه النقاشات فإذا بالرئيس يحتلّ المركز ويحجب بقية الأحداث ويحول دون انخراط المحللين وأصحاب الرأي في تقديم القراءات المتعدّدة لاسيما في ما يتعلّق بما يقع في بلدان الجوار من أحداث، وآخرها الانتخابات البرلمانية في المغرب. ولا نخال أنّ «هزيمة» حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة، معزولة عن حدث 25 جويلية ذلك أنّ تجارب الإسلاميين في الحكم خلال العشرية الأخيرة، تتقاطع كما أنّ مواقع هذه الأحزاب داخل السلطة أو خارجها تتأثرّ بشكل أو بآخر بما يجري في هذا القطر أو ذاك.

وبعد مرحلة «صعود الإسلاميين» وهيمنتهم على قطاعات عديدة ودخولهم في صراعات مختلفة ها أنّ الجميع يتحدّثون عن «الهزيمة» التي حلّت بهم، وهي هزيمة «قاسية»، «مدوية» «مفاجئة»... أرجعت الحزب إلى الموقع الذي كان عليه سنة 1997(9 مقاعد). والواقع أنّ المتابع لمواقف قياديي حزب العدالة والتنمية في السنوات الأخيرة، بإمكانه أن يتوقع خروجهم من الحكم من الباب الصغير إذ كانت الانجازات هزيلة وظهرت الانشقاقات و«الشقوق» (بنكيران/العثماني، الخلاف حول المرشّحين...) وتعدّدت الزلات، والأخطاء الفادحة، والقرارات غير المدروسة والمعبّرة عن التوجّه النيوليبرالي الذي فرضه البنك الدولي كالترفيع في سنّ التقاعد،واستبدال الانتداب بنظام إبرام العقود...

وهكذا صار الخطاب السياسي ذا حمولة تيسّر على الخصوم الوقوف عند الهنات والتناقضات والتلاعب بالعقول... وبدت السياسات مهدّدة لمصالح الطبقة الوسطى، التي كانت داعمة للحزب وفي حالات أخرى مقوّضة للقناعات إذ كيف تبرم حكومة ذات توجه إسلامي على اتفاقية التطبيع مع إسرائيل؟ وكيف يقبل حزب بهذا الحجم بأن يكون كبش فداء ؟يُضاف إلى كلّ ذلك الخذلان فقد كان دعم حركة «التوحيد والإصلاح» الذراع الدعوية لحزب «العدالة والتنمية» محدودا للغاية. ولئن كانت وصفة التوافق والتضامن بين الإسلاميين مضمونة وغير مقدوح فيها فإنّ اللعبة السياسية فضحت المستور فبات من المألوف أن لا يؤازر الأخ من يشاركه نفس المرجعية.

ويهمّنا أن نتوقف عند الرصيد المشترك بين تجربة حزب النهضة وتجربة حزب العدالة والتنمية والذي يتمثّل في الفشل في تحقيق مكاسب كبرى للمواطنين وتغيير أوضاعهم والتصدّي للتسلط والفساد والرأسمالية الجشعة وبعبارة أوضح الفشل في الإيفاء بالوعود التي قُطعت في الدعاية الانتخابية. وبذلك ظهر الإسلاميون في صورة مغايرة لما ترسّخ في الأذهان فهم «يقولون ما لا يفعلون» وسلوكهم لا يختلف كثيرا عن غيرهم والتعامل معهم عرّى أزمة الأخلاق لديهم. ولا يمكن أن نغفل عن أثر الانبهار ببريق السلطة وعشق الامتيازات، في أداء الإسلاميين مما جعلهم يفقدون مواقعهم بسرعة ملفتة للنظر.
وكما هو معروف لا يعترف الإسلاميون بالأخطاء ولا يقبلون على ممارسة النقد الذاتي بل يندفعون وراء تبرير الفشل بالمؤامرات والدسائس التي تحاك ضدّهم فالانتخابات غير نزيهة «والخروقات كثيرة».

ومهما يكن الأمر فإنّ المشاركة المحتشمة للشباب توضح بأنّ هذه الفئة الفاعلة عاقبت جميع الأحزاب بلا استثناء والتي لم تكن على قدر تحمّل المسؤولية ولم تدافع عن مطالب شبّان/ات حركة 20 فبراير وليس حزب العدالة والتنمية إلاّ حزبا من بين أحزاب أخرى تعلّق عليها الآمال فتخيّبها. فهل يتعلّم القياديون من الأخطاء التي ارتكبت دروسا قيّمة ؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا