الأزمة الخانقة في تونس تنغلق على نفسها وتتغذى من مكوناتها: في أولوية كسر الحلقة المفرغة

السياسة هي فنّ الممكن، ولكنّها أيضا القدرة على الاستباق وحسن التصرف وفق الآتي لا تكرار الذي جُرّب فخاب .

الأزمة في المطلق ليست سلبية دائما، خاصة إذا ما سمحت بتوفير شروط تجاوزها ،ولكن الأزمة المتعددة الأبعاد في بلادنا من صنف خاص ..إنها شبيهة بما يحدث في الكون في مقربة من ثقب أسود يجذب بصفة متسارعة كل المادة المحيطة به من غازات ونجوم وكواكب لكي تنتهي هذه الحركة اللولبية المتعاظمة إلى «غرق» المادة كلها في هذا الثقب الأسود دون أن تكون لها القدرة على مغالبة هذه الجاذبية المدمرة ..
هذا ما يحصل الآن في بلادنا : أزمة مدمرة تجذب إليها بقوة كل مكونات البلاد من مؤسسات الدولة إلى المنظومة الحزبية إلى المالية العمومية ومحركات الثروة والإنتاج..ولكن إذا ما كانت جاذبية المادة طبيعية لا تخضع لإرادة عاقلة فإن انجذابنا الجماعي نحو الهاوية إرادي وتسعى إليه مكونات عدة متصارعة في ما بينها ولكنها متضامنة في هذا الانهيار الجماعي ..
يمكن أن نلقي باللائمة على من نشاء: الحكومة الضعيفة أو الرئاسة التائهة أو الحزام الانتهازي أو المعارضة الحادة أو النقابات ذات المطلبية المشطة .. ولكن في النهاية المحصلة واحدة : مجتمع منقسم ومتباعد بصفة مطردة ونخب عاجزة عن وقف النزيف حتى عندما تكون رغبتها صادقة في ذلك ..في هذا العداء والاستعداء المتبادل ،الكلّ مصرّ على موقفه وعلى موقعه،والكل يعتقد انه يملك لوحده مفاتيح الخلاص حتى لو ادعى مدّ اليد ..وهذا بصدد تحويل كل الإرادات المتنازعة إلى عدم،إلى ميكانيزمات آلية تنجذب بسرعة متعاظمة نحو الانهيار وهي تعتقد أنها تباشير الخلاص .
تحتاج بلادنا إلى رجّة نفسية قوية تقطع مع هذا الانجذاب القهري ..رجّة تجعل من الابتعاد عن الهاوية أفقا ممكنا وجذّابا في نفس الوقت .
هذه الرجّة لا يمكن أن تأتي إلا من المكونات الأساسية للازمة،أو من بعضها على الأقل ..
أن يقدم طرف ما على حركة ما تسمح بفتح أفق جديد .
وحدها اليوم استقالة رئيس الحكومة يمكن أن تمثل بادرة رجّة جدية،وهذه الاستقالة لن تغيّر من الوضع الواقعي للبلاد شيئا يذكر،فنحن أمام حكومات تصريف أعمال متعاقبة واستقالة رئيس الحكومة اليوم هي تحقيق المطابقة الصحية بين الوضعين الفعلي والقانوني للحكومة .
استقالة هشام المشيشي ليست هروبا من المسؤولية ولا هي كذلك تحميله وزر هذه الأزمة غير المسبوقة ولكنها مبادرة سياسية تسمح بإيجاد فرصة للخروج من حالة الانسداد هذه .
لا يتمثل هذا الأفق في تشكيل حكومة جديدة،لان شروط حكومة إنقاذ غير متوفرة وهي لن تتوفر بمجرّد هذه الاستقالة ..الأفق السياسي هو الذهاب إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها وهذا يفترض بالتالي اتفاقا أدنى بين رئيس الدولة الذي يعود إليه مبادرة تعيين مكلف جديد بتشكيل حكومة وجلّ مكونات المشهد البرلماني حكما ومعارضة بأن المطلوب هو انتخابات سابقة لأوانها قبل نهاية هذه السنة بعد إسقاط شكلي لخلف هشام المشيشي، وبعد الاتفاق أيضا على الحدّ الأدنى من تغيير قواعد اللعبة حتى يتسنى للأغلبية القادمة إمكانية الحكم الفعلي للبلاد ..
ولو أردفنا إلى استقالة هشام المشيشي استقالة راشد الغنوشي من رئاسة البرلمان نكون قد وفّرنا شروطا إضافية لتهدئة الاحتقان الحالي ولإمكانية مرحلة انتقالية قصيرة دون تعقيدات تذكر..
لا يخفى على أحد أن لتونس أولويات حياتية لا يمكن بأي حال من الأحوال الإضرار بها،ونقصد هنا بالأساس تلافي كل ما يمكن تلافيه في عملية التلقيح ضد الجائحة وعقد اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي لإضفاء الحدّ الأدنى من الجدية على الوضع المالي للبلاد ..
لا ينبغي إذن أن تؤثر استقالة رئيس الحكومة سلبا على هذه الملفات الأساسية،بل قد تكون فرصة إضافية لمفاوضات أكثر جدية ولاتفاق مع النقد الدولي أكثر صلابة، وذلك بتبني أهم المكونات المؤسساتية والسياسية والاجتماعية لهذا الاتفاق والالتزام بتنفيذ بنوده في السنوات القادمة مهما كانت الأغلبية التي سيفرزها الصندوق ..
ولكن كما ترون فإن هذه الرجّة النفسية الضرورية تحتاج بدورها إلى ترتيبات داخلية وإلى حوار أدنى حول شروطها وآجالها ومخرجاتها ..
لا وجود لأي حلّ يقينا من الانهيار ما لم يجلس أهم الفرقاء حول طاولة الحوار،وما لم يعرب بعضهم على الأقل على استعداده الكامل للانسحاب حماية للوطن من تعفّن قد لا نقدر على دوائه ..
لا نملك الكثير من الوقت للمناورة والمراوغة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا